رأي

التونسيون يصوتون لأكبر أحزاب تونس

كتب علي قاسم, في “العرب”:

للمرة الثانية يدير التونسيون ظهورهم للأحزاب في رسالة واضحة أثبتت أن قيس سعيد ما زال يحظى بشعبية كبيرة لدى عدد كبير من التونسيين الذين يدعمون مواصلة مسيرته في مكافحة الفساد.

لم ينسَ العالم يوم 13 أكتوبر 2019، عندما رأى التونسيين يختارون رئيسًا مستقلاً خاض الانتخابات بتمويل ذاتي بسيط، رافضًا المنحة المقدمة من الدولة للقيام بالحملة الانتخابية، واستند في حملته إلى مجموعة من المتطوعين. ليفوز بأغلبية ساحقة ويبدأ عهدته رسميًا في 23 أكتوبر 2019.

للمرة الثانية – 06 أكتوبر 2024 – يفعلها التونسيون ويديرون ظهورهم للأحزاب. في رسالة واضحة لا لبس فيها أثبتت أن الرئيس التونسي قيس سعيد ما زال يحظى بشعبية كبيرة لدى عدد كبير من التونسيين الذين يدعمون مواصلة مسيرته في مكافحة الفساد ومعالجة الأزمة الاقتصادية.

في عام 2019 كتبت تحت عنوان: “قيس سعيد المرشح الذي هزم الأحزاب وحده”، قلت حينها إن التونسيين حسموا أمرهم وقالوا “لا” للأحزاب السياسية، وكنت مخطئًا في ذلك.

◄ التونسيون التفّوا حول قيس سعيد، لأنه امتلك الشجاعة وتقدم الجميع لتحمل المسؤولية، ويا لها من مسؤولية. في المقابل، انفضّ التونسيون عن الأحزاب، لأنها هربت من تحمّل المسؤولية مكتفية ببعض الامتيازات

الحقيقة هي أن التونسيين اختاروا عام 2019 أكبر حزب في تونس؛ اختاروا حزب الشعب.. باللهجة التونسية الواضحة حزب “الزواولة”. واليوم بعد 5 سنوات يجدد التونسيون دعمهم لحزب “الزواولة” ويعيدون اختيار الرئيس قيس سعيد لولاية ثانية، واضعين مستقبلهم ومستقبل بلادهم بين يديه بعد أن حمّلوه مسؤولية إخراج البلاد من عنق الزجاجة.

وكان قيس سعيّد الذي انتُخب ديمقراطيًا بعد أن رفع شعار “الشعب يريد”، قد اتخذ في 25 يوليو 2021 إجراءات استثنائية تم بموجبها حل البرلمان التونسي، استجابة لأصوات عدد كبير من التونسيين الذين يحمّلون المجلس التشريعي والحكومات المنبثقة عنه مسؤولية استشراء الفساد في البلاد.

القرارات التي اتخذها قيس سعيّد هي نفسها مطالب الشارع التونسي، وهذا ما يفسّر الموقف الإيجابي المؤيد لها بين قطاع واسع من التونسيين، بينما جاءت ردود فعل الأحزاب لتكشف أن الأحزاب السياسية تعيش في عالم آخر، عالم خيالي منفصل عن العالم الذي يعيش فيه “الزواولة”.

خلال عشر سنوات لم تتحقق وعود السياسيين، وتعمقت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، وانتقلت خلالها حياة التونسيين من سيء إلى أسوأ. بينما النخبة السياسية مشغولة بالحديث عن التعددية والديمقراطية، مكتفية بإطراءات لم تبخل بها جهات أوروبية عليهم.

وبعد مرور ثلاث سنوات من الإجراءات التي اتخذها قيس سعيد، تذرف منظمة العفو الدولية الدموع على ما تسميه “تراجع مقلق في الحقوق الأساسية في مهد الربيع العربي” و”بالانحراف”.. في المقابل، يؤكد الرئيس التونسي أن مناخ التعددية والديمقراطية مضمون دستوريا وقانونيا وأن القضاء مستقل.

ويرى العديد من أنصار سعيّد أن الرئيس أعاد “هيبة الدولة” ووضع حدا للإفلات من العقاب تحت “عباءة” العمل السياسي. وأن إجراءاته ساهمت في “وضع الحصان أمام العربة”.

في غمرة الفرح نسيت الأحزاب أن “القفة” هي ما يشغل التونسي البسيط، وهي المقياس الدقيق للتضخم. كلمة تضخم نفسها لا مكان لها في قاموسه.

◄ خمس سنوات يجب خلالها إصلاح عيوب عشرة أعوام وما تلاها من أزمات.. إنها مهمة لو حُمّلت للجبال لناخت تحتها

لم تسأل النخبة نفسها إن كان شباب تونس الذين أمضوا سنين عمرهم يجتهدون ليحصلوا على شهادات علمية عليا سيجدون عملاً يؤمّن لهم حياة كريمة؟ أو أن يكون بمقدور أكثر من نصف التونسيين – وفق إحصائيات رسمية – تأمين غذائهم اليومي؟

عشر سنوات صعبة تحمّلها التونسي مكتفيا بحق واحد من حقوقه هو حرية التعبير. إلى أن جاءت جائحة كورونا وكشفت معها كل العيوب.. حكومة عاجزة عن تأمين اللقاحات وبنية صحية متهالكة. والأسوأ أن القرارات التي كان على الدولة أن تتخذها لمنع انتشار الوباء، اتضح أن الالتزام بها نوع من المستحيل. فالدولة بإمكانياتها عاجزة عن تعويض الخسائر.

خلال عهدته الأولى لم يكثر الرئيس سعيد من الوعود، فهو يعلم أن عليه أن يخلّص تونس أولاً من غول الفساد، وهذا لن يتم إلا بمنح الرئيس صلاحيات تمكّنه من تحقيق ذلك.

وضع قيس سعيد خلال عهدته الأولى الأساس الصحيح لمحاربة الفساد، وكان أول تعهد يتخذه فور الإعلان عن التقديرات الأولية التي أشارت إلى فوزه بولاية ثانية بأغلبية واسعة من الدور الأول، مواصلة “تطهير” البلاد من المفسدين ومن المتآمرين وأن الدولة ستستمر.

ويتمسّك سعيّد في خطاباته بمبدأ السيادة، وهو ما أثبته في أكثر من موقف، خاصة رفضه إملاءات صادرة عن جهات خارجية مثل صندوق النقد الدولي، ويرى أن معالجة الأزمة الاقتصادية تمرّ ببعث “الشركات الأهلية” واستئناف نشاط إنتاج مادة الفوسفات و”التعويل على الذات”.

وبحكمة كبيرة ورؤية مستقبلية ثاقبة اتخذ لحملته الانتخابية شعار “الشعب يريد البناء والتشييد”.

بعد ساعتين من إغلاق صناديق الاقتراع، أظهرت نتائج مؤسسة “سيغما كونساي” فوز قيس سعيد بولاية ثانية بنسبة 89.2 في المئة من أصوات الناخبين. وبلغت نسبة المشاركة الأولية في الاقتراع 27.7 في المئة، وفق ما أعلنته الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

◄ القرارات التي اتخذها قيس سعيّد هي نفسها مطالب الشارع التونسي، وهذا ما يفسّر الموقف الإيجابي المؤيد لها بين قطاع واسع من التونسيين

التفّ التونسيون حول قيس سعيد، لأنه امتلك الشجاعة وتقدم الجميع لتحمل المسؤولية، ويا لها من مسؤولية. في المقابل، انفضّ التونسيون عن الأحزاب، لأنها هربت من تحمّل المسؤولية مكتفية ببعض الامتيازات.

خمس سنوات يجب خلالها إصلاح عيوب عشرة أعوام وما تلاها من أزمات.. إنها مهمة لو حُمّلت للجبال لناخت تحتها.

بدلاً من التنقيب عن أخطاء يلصقونها بالرئيس التونسي، على المتباكين على التعددية وحرية التعبير – وهي مصانة في تونس والدليل يمكن متابعته في صفحات التواصل الاجتماعي – أن ينقّبوا عن الأسباب التي ساعدته على اكتساب قلوب التونسيين؛ بداية بفوزه بأصوات الناخبين، بصفته مستقلاً، دون حملات انتخابية باذخة، مروراً بدعم قراراته تجميد البرلمان، واليوم بإعادة التصويت له في عهدة رئاسية ثانية.

بإمكانك أن تجمع الناس من حولك، مستعيناً بشعارات جذابة، ولكن لن تستطيع أن تبقيهم ملتفين حولك. هذا ما تقوله الحكمة. سرعان ما سيكتشف الناس أن الكلام، مهما علا شأنه، لا يسمن ولا يغني من جوع.

فوز قيس سعيد رسالة من التونسيين للأحزاب السياسية مفادها “شبعنا أيديولوجيا.. حان وقت البناء والتشييد”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى