التنسيق التركي السعودي المصري: التطبيع السعودي مقابل دولة فلسطينية

كتبت هدى رزق في صحيفة الميادين.
ترفض “إسرائيل” الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب حول غزة التي تتضمّن انسحاباً أوسع لقواتها وبدء الإعمار. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرى أنّ نزع سلاح حماس هو “جوهر المرحلة الثانية” وجعل غزة منطقة “منزوعة السلاح” وليس البدء بالإعمار الشامل، وأنه سيتمّ إما بالوسائل الدبلوماسية أو عسكرياً عبر استئناف القتال، وهو لن يسمح بدخول مواد البناء قبل ضمان نزع السلاح، وأعرب عن شكوكه في قدرة “قوة الاستقرار الدولية” المقترحة في خطة ترامب على إجبار حماس على تسليم سلاحها.
يعزّز نتنياهو إصراره على بقاء سيطرة “الجيش” الإسرائيلي على مناطق استراتيجية في القطاع لضمان تنفيذ هذا البند، إذ أكّد لمبعوث الرئيس الأميركي “ستيف ويتكوف” في لقائه الأخير أنه يرفض مشاركة السلطة الفلسطينية في حكم غزة، لأنّ السلطة الحالية “تفتقر للشرعيّة والقدرة على منع عودة الفصائل المسلحة”، إذ تصرّ “إسرائيل”على صيغة أمنية تضمن حرية حركة “الجيش” الإسرائيلي داخل القطاع على غرار “النموذج الأمني في الضفة”.
تراهن “إسرائيل” على بديل يسمّى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي تتكوّن من 15 فلسطينياً من التكنوقراط مهمتها إدارة الخدمات المدنية من دون تبعيّة رسمية للسلطة الفلسطينية أو حماس. وتهدف “إسرائيل” من ذلك إلى خلق “إدارة محلية” لا تملك طموحات سياسية وطنية تضغط باتجاه دولة فلسطينية.
ترفض كلّ من مصر والأردن والى جانبها الاتحاد الأوروبي أيّ ترتيبات أمنية تستثني السلطة الفلسطينية بشكل دائم، وتربط تمويل إعادة الإعمار بوجود سلطة شرعية موحّدة. ولا تقبل السلطة في رام الله أن تكون مجرّد “أداة أمنية” لـ “إسرائيل” وتصرّ على أنّ عودتها لغزة يجب أن تكون ضمن مسار سياسي يقود للدولة.
ترامب يؤيّد نزع السلاح، خطته تشمل اعترافاً محتملاً بدولة فلسطينية في نهاية المطاف بناءً على إصلاحات في السلطة، وهو لا يعكس رؤية اليمين الإسرائيلي الرافضة لهذا المسار. فما هو موقف السعودية وتركيا ومصر من هذا التعثّر في التطبيق؟ وما هو المشروع البديل للضغط على “إسرائيل”؟ وهل سينجح التنسيق السعودي التركي المصري بالضغط على واشنطن ؟
تحاول كلّ من تركيا ومصر والسعودية استغلال زخم “خطة ترامب للسلام” من أجل الضغط على “إسرائيل”، إلا أنّ قدرتها على النجاح تبقى مرتبطة بمدى استجابة واشنطن.
في ظل مخاوف إردوغان من تعنّت نتنياهو وإفشال جهوده للحلّ في غزة، زار الرئيس التركي الرياض ثم القاهرة لعقد قمة مع السيسي. ويهدف هذا التقارب إلى خلق “جبهة موحّدة” تطالب بالتنفيذ الكامل للمرحلة الثانية من الاتفاق، بما في ذلك انسحاب القوات الإسرائيلية وفتح المعابر، وكانت الدول الثلاث قد انضمّت الى مجلس السلام الذي دعا إليه ترامب للإشراف على غزة.
هذا الوجود الرسمي يمنحهم صوتاً قانونياً وسياسياً داخل أروقة الإدارة الأميركية لمحاسبة “إسرائيل” على أي خروقات أو تأخير في الانتقال للمرحلة الثانية.
لوّحت تركيا بإمكانية تعليق التعاون، بينما تعمّق مصر من تعاونها الأمني مع تركيا في ملفات إقليمية مثل ليبيا والشرق المتوسط لإظهار قدرتهما على تشكيل “محور استقرار” بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية المنفردة، إلا أنّ الذي يمتلك أقوى أوراق الضغط، هي السعودية حيث تربط الرياض أيّ تقدّم في ملف التطبيع مع “إسرائيل” باتخاذ “خطوات لا رجعة فيها” نحو إقامة دولة فلسطينية وتنفيذ التزامات غزة.
يعتبر هذا التقارب بين مواقف الدول الثلاث أكبر التحدّيات الدبلوماسية لحكومة نتنياهو، وله تأثير ملموس ومباشر على صنع القرار في إدارة الرئيس ترامب التي ترغب في تقليل الانخراط العسكري المباشر وتكلفة إعادة الإعمار.
تراهن هذه الدول الثلاث على تقديم رؤية موحّدة لإدارة غزة عبر “مجلس السلام”، لسحب الذرائع من “إسرائيل” التي تدّعي بأنّ “البقاء العسكري هو الحلّ الوحيد لمنع الفوضى”. هذا الضغط يجعل ترامب يميل لدعم خطة إقليمية ترفع العبء عن كاهل واشنطن حيث تستخدم السعودية حاجة ترامب لتحقيق “إنجاز تاريخي” عبر التطبيع كأداة ضغط قوية.
هذا التنسيق يرمي الى منح الموقف السعودي ثقلاً إسلامياً وإقليمياً أكبر، حيث أصبحت الرياض تتحدّث بلسان كتلة إقليمية وازنة ترفض التطبيع من دون “مسار موثوق” للدولة الفلسطينية وتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة.
يقدّم التقارب السعودي-التركي-المصري لترامب “محور استقرار سني” مما يقلّل من حاجته للاعتماد حصراً على الرؤية الإسرائيلية للأمن الإقليمي ، ويحرج حلفاء “إسرائيل” في واشنطن، كما أنّ زيارة ويتكوف وكوشنر للمنطقة أظهرت أنّ القادة العرب والأتراك يتحدّثون بلغة واحدة حول ضرورة “كبح جماح” التوسّع الإسرائيلي في غزة.
تراهن هذه الدول على كون ترامب رجل صفقات قد يرى في تعنّت نتنياهو عائقاً أمام نجاح خطته الكبرى للمنطقة، مما قد يدفعه لممارسة ضغوط على “تل أبيب”.
التطبيع السعودي والرهان على قيادة المنطقة
يدرك ترامب أنّ التطبيع مع السعودية يمرّ عبر تنفيذ “خطة العشرين نقطة” والانسحاب من غزة صفقة مربحة له. قد لا يتردّد في استخدام المساعدات العسكرية كأداة ضغط على نتنياهو إذا شعر أنه يعرقل إنجازه في غزة، حجة أنّ نزع سلاح حماس قد يستغرق سنوات، يستغلها نتنياهو لتبرير بقاء “الجيش” الإسرائيلي في غزة، وهو يراهن على “اليمين الإنجيلي” والكونغرس للضغط على ترامب، وبرفضه لأيّ دور للسلطة، يفرغ الخطة من محتواها السياسي، أي حلّ “الدولتين”، محوّلاً إياها إلى مجرّد ترتيب أمني تحت إشرافه.
يحاول نتنياهو إقناع السعودية بأنّ إدارة غزة عبر لجنة التكنوقراط هي “خطوة أولى”، لكنّ الرياض ترى فيها محاولة لـ “تخليد الاحتلال” بصورة مدنيّة، وتصرّ على أن تكون هذه اللجنة مرتبطة بأفق سياسي يقود للسلطة الفلسطينية أو دولة مستقلة.
التنسيق السعودي مع السيسي وإردوغان يمنح الرياض “ظهيراً إقليمياً”. ترامب يدرك الآن أنه لا يواجه مطلباً سعودياً منفرداً، بل إجماعاً إقليمياً من أقوى حلفائه الذين يرفضون منح “إسرائيل جائزة التطبيع” مجاناً.
والرياض لا تتفاوض فقط من أجل غزة، بل من أجل ترسيخ مكانتها كقائد أوحد للمنطقة والقضية الفلسطينية بعد تراجع الدور الإيراني المباشر. بغياب المنافسة الإيرانية القوية حالياً، تريد السعودية إثبات أنّ “الدبلوماسية والواقعية هي التي استعادت الحقوق الفلسطينية وأوقفت الحرب”.
إلّا أنّ فشل السعودية في انتزاع مكاسب حقيقية سيُعيد إحياء السردية التي تقول إنّ المسار العربي ضعيف، وهو ما تخشاه الرياض، فمنح السعودية التطبيع لترامب مقابل “وعود واهية”، ستعتبر ضربة لها ولسياساتها.
تدرك السعودية أنّ ترامب مهووس بالنتائج السريعة، لكنّ الثمن هو الضغط على نتنياهو. الفشل بالنسبة للرياض يعني خسارة “الزعامة المعنوية” للمنطقة.




