رأي

التقارب الصيني – الكندي تحت ضغط الرسوم الجمركية الأميركية

كتبت تمارا برو, في الميادين:

ينبع اهتمام ترامب بكندا من قلقه بشأن ما يصفه “ضعف الدفاعات الكندية” في القطب الشمالي، ما قد يسمح بتغلغل خصوم الولايات المتحدة إلى المنطقة ولاسيما روسيا والصين.

منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرئاسة الأميركية للمرة الثانية، وهو يضغط على كندا عبر فرض الرسوم الجمركية عليها بحجة تقاعسها عن وقف تهريب الفنتانيل، والخلل في الميزان التجاري مع أميركا، واستفزازها دائماً عبر تصريحاته بضم كندا إلى الولايات المتحدة لتصبح الولاية الأميركية 51 ، ومخاطبة رئيس وزرائها بـ”الحاكم”، والإدعاء بأن أميركا هي التي خلقت كندا وتحافظ على وجودها حتى اليوم.

ولم يكتف ترامب بذلك، بل نشر عبر صفحته على منصة تروث سوشال خريطة لفنزويلا وكندا وغرينلاند ملّونة بألوان العلم الأميركي.

ينبع اهتمام ترامب بكندا من قلقه بشأن ما يصفه”ضعف الدفاعات الكندية” في القطب الشمالي، ما قد يسمح بتغلغل خصوم الولايات المتحدة إلى المنطقة ولاسيما روسيا والصين، وطمعاً في الثروات الطبيعية التي تحتويها البلاد.

شهدت الفترة الأخيرة توتراً حاداً في العلاقات بين أوتاوا وواشنطن على خلفية خطاب رئيس وزراء كندا مارك كارني في منتدى دافوس الذي اعتبر النظام القائم على القواعد يتلاشى، وأن الأقوياء يفعلون ما يستطيعون بينما يضطر الضعفاء لتحمل ما يُفرض عليهم، ووجه دعوة إلى دول “القوى المتوسطة” للعمل بشكل جماعي لتعزيز التنويع الاقتصادي، وبناء قواعد إنتاج محلية قوية، وانتقد علناً لجوء الدول القوية إلى استخدام التكامل الاقتصادي كسلاح والرسوم الجمركية كوسيلة ضغط.

أثارت تصريحات كارني غضب ترامب الذي سحب دعوته لكندا إلى الانضمام لمجلس السلام الخاص بغزة، ورد على تصريحات رئيس الوزراء الكندي بأن كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة الأميركية، ليقابله كارني بالرد بأن كندا لا تعيش بسبب أميركا، بل تزدهر بفضل وحدة الكنديين.

كما أثار التقارب الصيني الكندي حفيظة ترامب الذي هدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على السلع الكندية إذ أبرمت أوتاوا اتفاقاً تجارياً مع بكين، وزعم أن الصين تسيطر بشكل كامل على كندا.

لقد كانت أوتاوا من أوائل الدول التي فرض عليها ترامب رسوماً جمركية إلى جانب المكسيك والصين. وحالياً تصل الرسوم الجمركية المفروضة عليها إلى 35% ، ولكن هذه التعريفة لا تتضمن السلع المشمولة باتفاقية التجارة الحرة مع أميركا والمكسيك، فضلاً عن رسوم منفصلة على الصلب والألومينيوم والأخشاب بنسبة 25%.

دفعت سياسات ترامب وتصريحاته الاستفزازية المتكررة لكندا إلى قيام رئيس وزرائها كارني بجولات عالمية عديدة بهدف تنويع الشركاء، كي لا تبقى أوتاوا تعتمد على الولايات المتحدة ، الشريك التجاري الأكبر، والتي تستقبل حوالي 75% من السلع الكندية ، فزار العديد من الدول الأوروبية ، وشرق آسيا ، ودول الخليج بهدف تعزيز التعاون معها لاسيما الاقتصادي.

ونظراً لأن الصين هي ثاني أكبر شريك تجاري لكندا، وثاني أكبر اقتصاد في العالم، زارها الرئيس كارني بهدف تخفيف التوترات بين البلدين، والتي ارتفعت حدتها منذ العام 2018 ، بعد أن اعتقلت السلطات الكندية المديرة المالية لشركة الاتصالات الصينية هواوي ، مينغ وانتشو، بناء على طلب السلطات الأميركية، فردت الصين على اعتقالها باحتجاز مواطنيين كنديين أثنيين.

وتدهورت العلاقات أكثر بعد أن فرضت أوتاوا في العام 2024 ، تماشياً مع موقف واشنطن، رسوماً جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية ما دفع بكين إلى فرض رسوم جمركية على بعض المنتجات الزراعية الكندية ، بما في ذلك زيت الكانولا. كما اتهمت أوتاوا بكين مراراً بالتدخل في الانتخابات الكندية عامي 2019 و 2021.

وخلال زيارته إلى بكين مؤخراً، وصف كارني العلاقات الصينية الكندية بأنها على وشك بداية تحقيق مكاسب تاريخية في شراكة جديدة، حيث أبرم كارني اتفاقاً تجارياً مع الصين يسمح بدخول 48 ألف سيارة كهربائية صينية سنوياً إلى السوق الكندية بتعرفة منخفضة تطل إلى 6.1 % ، مقابل تخفيض الصين لرسومها على بذور الكانولا الكندية من نحو 85% إلى 15% ، إضافة إلى إلغاء تعريفات جمركية على منتجات أخرى من بينها أصناف من المأكولات البحرية.

كما تعهد الرئيس الصيني بمنح الكنديين إعفاء من التأشيرة لدخول الصين، وتتطلع كندا إلى زيادة مبيعاتها من النفط والغاز إلى الصين في محاولة لتقليل تصديرها إلى الولايات المتحدة التي تعتبر أكبر مستورد للنفط الكندي.

وعلى الرغم من أن ترامب لم يعترض بداية على الاتفاق بين كندا والصين، إلا أنه هدد لاحقاً بفرض رسوم جمركية على البضائع الكندية إذا أبرمت أوتاوا اتفاقاً تجارياً مع بكين. ومن غير الواضح ما هي الصفقة التي أشار إليها ترامب ، إلا أن كارني حاول تهدئة مخاوف ترامب مشيراً إلى أن كندا تحترم إلتزاماتها بموجب اتفاقية التجارة مع أميركا والمكسيك والتي تنص على عدم السعي لإبرام اتفاقيات تجارة حرة مع دول لا تبني اقتصاد السوق.

يخشى ترامب من أن تستخدم الصين كندا كمركز عبور للبضائع الصينية الخاضعة للقيود التجارية الأميركية والتي يعاد تصديرها إلى الولايات المتحدة تحت شعار “صنع في كندا”.

ولأجل عدم التحايل على القيود التجارية الأميركية، فرض ترامب رسوماً جمركية تصل إلى 40% على البضائع التي يعاد تصديرها عبر دول ثالثة إلى أميركا مثل فيتنام التي تحوي مكونات صينية.

تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية على البضائع الكندية في حال أبرمت كندا اتفاق تجاري مع الصين هو رسالة وجهها ترامب إلى كندا مفادها أن الاقتصاد الكندي قائم بفضل الولايات المتحدة وعلى أوتاوا أن تختار بين بكين وواشنطن، ورسالة أيضاً إلى الصين كي تبتعد عن المناطق التي تعتبر نفوذ أميركية، وعزمه على ردع الصين.

وما تجب الإشارة إليه أن ترامب هدد بفرض رسوم جمركية على السلع الكندية دون الإشارة إلى فرض رسوم أيضاً على السلع الصينية. فعلى ما يبدو تحاول واشنطن قدر المستطاع عدم التهديد بفرض رسوم جمركية على الصين كي لا تعكر صفو العلاقات الثنائية بين البلدين، كما خففت من لهجتها تجاه الصين في استراتيجية الدفاع الأميركية الجديدة التي ركزت على ردع الصين دون مواجهتها، تمهيداً لزيارة الرئيس الأميركي إلى الصين مع أن ترامب يحاول كبح جماح الصين في مختلف دول العالم كي تكون هذه الملفات محور تفاوض بين البلدين.

سياسات ترامب الاستفزازية والضغوطات هي التي دفعت كارني إلى التقرب من الصين. فقد كان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ينظر إلى الصين على أنها أكبر تهديد لكندا من الناحية الجيوسياسية، وانتقد شراكتها مع روسيا في الحرب مع أوكرانيا، ووصفها بأنها تشكل تهديداً لآسيا وتايوان خاصة.

ستُجرى خلال هذا العام مراجعة لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وبالتالي إذا استمر جمود العلاقات بين أوتاوا وواشنطن فمن المحتمل أن يتراجع ترامب كلياً أو جزئياً عن الاتفاقية التي تحمي الكثير من المنتجات الكندية من رسوم ترامب الجمركية، مما سيؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الكندي، وإن حاول كارني البحث عن أسواق بديلة لتعويض الضرر المحتمل، فلن يكون بالأمر اليسير لكندا التي تصدر أكثر من نصف سلعها إلى الولايات المتحدة الأميركية.

لقد حاولت كندا منذ بداية فرض الرسوم الجمركية الأميركية عليها إلى مواجهة هذه الرسوم بفرض رسوم مضادة، وتراجعت عنها لاحقاً إفساحاً بالمجال أمام استئناف المفاوضات التجارية مع أميركا، حتى بعد أن هدد ترامب مؤخراً بفرض رسوم جمركية على كندا فقد قلّل كارني من أهمية هذه التهديدات ملمحاً أنها تندرج في إطار استراتيجية التفاوض التجاري التي يتبعها ترامب.

من المحتمل أن يستمر رئيس الوزراء الكندي في سياسته الجديدة بتكثيف تعاونه مع أطراف دوليين وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة مع محاولته عدم استفزاز ترامب لاسيما فيما يتعلق بالتقرب من الصين، وبدورها ستستمر إدارة ترامب في الضغط على كندا للسيطرة على مواردها الطبيعية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى