رأي

التفاف واسع حول المرشد الجديد: كيف سيدير مجتبى خامنئي الحرب؟

بعد عشرة أيام على اغتيال علي خامنئي، ومع بلوغ الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران ذروتها، يثير تعيين نجله مجتبى مرشداً ثالثاً، تساؤلات حول دلالات هذا الخيار وكيفية مواجهة القيادة الجديدة الحرب.

محمد خواجوئي – الأخبار:

بعد عشرة أيام على اغتيال آية الله علي خامنئي، وفي وقت بلغت فيه الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران ذروتها، يثير تعيين نجله مجتبى مرشداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية جملة من التساؤلات حول دلالات هذا الاختيار، والتحدّيات التي ستواجه القيادة الجديدة.

وكان الرئیس الأمیرکي، دونالد ترامب، يأمل أن يؤدّي اغتيال خامنئي إلى إحداث شرخ داخل بنية النظام الإيراني، وربّما دفعه نحو التفكّك أو الانهيار، أو على أقلّ تقدير إيصال قيادة جديدة أكثر استعداداً للاستجابة لمطالب الولايات المتحدة إلى رأسه، بما يُخرِج إيران من المسار السياسي والاستراتيجي الذي سلكته منذ الثورة الإسلامية عام 1979. ولهذا السبب، شدّد ترامب، في الأيام الأخيرة، على أنه ينبغي أن يكون لواشنطن دور في تحديد القيادة الجديدة في طهران.
لكن يبدو حتى الآن أن مسار التطورات يسير خلافاً لما كان يأمله الرئيس الأميركي. فبعد اغتيال آية الله خامنئي، لم تَظهر مؤشّرات إلى حدوث انقسام أو صراع داخلي داخل النظام، بل جرى تفعيل الآليات الدستورية بسرعة، وشُكّل مجلس القيادة المؤقّت وفقاً للدستور. وفي الوقت نفسه، واصلت القوات المسلحة الإيرانية عملياتها العسكرية ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل من دون انقطاع. كما أن الرهانات التي عُقدت على تحرّك قوى المعارضة في الشارع لم تتحقّق حتى الآن.
وفي هذا السياق، حمل تعيين مجتبى خامنئي، دلالة سياسية واضحة. فالرجل معروف بقربه الفكري من والده وبعلاقاته الوثيقة مع «الحرس الثوري»؛ وبالتالي، يبعث اختياره برسالة مفادها أن الجمهورية الإسلامية، خلافاً لما كان يأمله ترامب، لم تشهد تغييراً في نهجها، بل تصرّ على استمرار السياسات التي اتّبعتها خلال العقود الماضية. وربما لهذا السبب تحديداً، قال الرئيس الأميركي، في أول تعليق له على اختيار مجتبى، إنه لیس راضیاً عنه.

في المقابل، يبدو أن تعيين من يسمّيه بعض المراقبين «خامنئي الثاني»، منح دفعة معنوية جديدة لمؤيّدي النظام، إذ صدرت، أمس، رسائل تهنئة عديدة من مسؤولين وشخصيات سياسية وأحزاب مختلفة داخل إيران رحّبت بتعيينه قائداً للبلاد. كما شهدت عدة مدن تجمّعات واسعة دعماً للقيادة الجديدة، وذلك رغم الأوضاع الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد. وعلى أهمية هذا الإجماع، لا شك في أن مجتبى خامنئي يبدأ مهامه في ظروف شديدة الصعوبة والتعقيد، في حين يُعدّ خطر محاولة اغتياله من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة – وهو خطر مرتفع في الواقع – أول التحدّيات التي قد يواجهها. فبعد اغتيال والده، بصفته القائد الرسمي لدولة ذات سيادة، بدا واضحاً أن منفّذي العملية لن يلتزموا بأيّ أطر أو خطوط حمر، ولا يُستبعد أن يتّجهوا أيضاً نحو استهداف القائد الثالث لإيران. وتزداد حظوظ هذا الاحتمال، بحسب بعض التقديرات، مع الأخذ في الاعتبار أن تعيين قائد جديد وإعلان الدعم الواسع له من قبل المسؤولين وشرائح من المجتمع، قد فُسِّرا بوصفهما مؤشريْن إلى صمود النظام واستمراره، رغم الضربات الواسعة التي تعرّض لها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن الطبيعي أن يُنظر إلى ذلك التطور على أنه خبر غير سارّ لواشنطن وتل أبيب.

أما التحدّي الثاني أمام مجتبى، فهو مواجهة الحرب الدائرة حالياً. فكلّ المؤشرات تدلّ على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى إجبار إيران على «الاستسلام». ولهذا، كثّفتا هجماتهما على المواقع العسكرية، وحتى على بعض الأهداف غير العسكرية. وفي مثل هذه الظروف، فإن قدرة إيران على الحفاظ على قوتها الهجومية واتّباع استراتيجية استنزاف طويلة الأمد ترفع تكلفة الحرب على الطرف المقابل، بحيث تدفعه في نهاية المطاف إلى إنهائها، تُعدّ المهمة الأصعب أمام المرشد الجديد. كما أن قبول أي وقف لإطلاق النار في المستقبل سيكون سيفاً ذا حدّين بالنسبة إليه؛ إذ قد يُفسَّر من جهة على أنه مظهر من مظاهر المرونة والعقلانية للحفاظ على النظام ومنع مزيد من الأضرار عنه، لكنه قد يُؤوَّل من جهة أخرى على أنه دليل ضعف أو إخفاق في القيادة.
وبالنسبة إلى التحدّي الثالث الذي يواجه خامنئي، فهو تزايد حالة الاستياء الداخلي، ولا سيما بسبب الأداء الاقتصادي للحكومة. وقد أمكنت ملاحظة ذلك سابقاً في تراجع نسب المشاركة في الانتخابات الأخيرة، وفي تجدّد الاحتجاجات في الشارع. والواقع أن العقوبات الواسعة التي فُرضت على إيران خلال السنوات الماضية أدّت إلى تراجع مواردها المالية، الأمر الذي أسهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية، بما شمل وصول معدّل التضخم السنوي إلى نحو 60%. كما أن الحرب وما تخلّفه من دمار واسع، يفرض كل ذلك أعباء مالية جديدة على البلاد. ولا شك في أن الولايات المتحدة وإسرائيل، إذا لم تتمكنا من الدفع نحو تغيير النظام في إيران، فستسعيان على الأقلّ إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية إلى أقصى حدّ ممكن وتحويلها إلى دولة فاشلة ومُثقلة بالأزمات الداخلية.

وعليه، يبقى السؤال المطروح هو: ما الاستراتيجية التي سيتّبعها مجتبى خامنئي لاحتواء هذه الأضرار وترميم الأوضاع العامة في إيران؟ وكيف يمكنه، في ظلّ الضغوط الخارجية المتزايدة، المحافظة على الخطوط العريضة لسياسات النظام، وفي الوقت نفسه إدخال تعديلات أو إصلاحات في بعض السياسات أو حتى في بعض البُنى، بما يسمح بتحسين الأوضاع العامة للبلاد؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى