أبرزرأي

التضليل الإعلامي سلاحٌ قويٌّ بيد إسرائيل

حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

في خضم الحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل ولبنان، وما يتقاطع معها من حربٍ بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، تتقدم جبهةٌ خفيةٌ لا تقل خطورةً عن ساحات القتال، وهي جبهة التضليل الإعلامي. فهنا، لا تُقاس الانتصارات بعدد المواقع المستهدفة فحسب، بل بقدرة كل طرفٍ على فرض روايته، وتوجيه الرأي العام، وإرباك خصومه، داخلياً وخارجياً.

منذ الأيام الأولى للتصعيد، برزت مؤشراتٌ واضحةٌ على إدارةٍ محكمةٍ للمشهد الإعلامي، تقوم على ضخ معلوماتٍ انتقائيةٍ ومدروسة. ففي الخطاب الإسرائيلي، يُصار إلى التركيز على “الضربات الدقيقة” واستهداف البنى العسكرية، مقابل تقليل الحديث عن الخسائر المدنية أو إبقائها في إطارٍ ضبابي. وفي موازاة ذلك، يتم تسريب معطياتٍ عن “نجاحاتٍ ميدانيةٍ” أو “اختراقاتٍ استخباريةٍ” بهدف رفع معنويات الداخل وإيصال رسائل ردعٍ إلى الخارج.

وفي المقابل، لا تخلو الساحة من رواياتٍ متضاربةٍ حول طبيعة الضربات وحجم الخسائر. ففي أكثر من محطةٍ، جرى تداول أخبارٍ عن استهداف مواقع حساسةٍ أو اغتيال شخصياتٍ وازنة، قبل أن يتبين لاحقاً أن بعض هذه المعلومات إما مبالغٌ فيها أو غير دقيقة. هذه الفوضى المعلوماتية ليست عفوية، بل تُستخدم كأداةٍ لإرباك المتلقي وإغراقه في سيلٍ من الأخبار المتناقضة، ما يفقده القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية. وأحد أبرز مظاهر التضليل يتمثل في توظيف الصور ومقاطع الفيديو.

خلال الأيام الماضية، انتشرت على نطاقٍ واسعٍ مشاهد قيل إنها توثق ضرباتٍ حديثة، ليتبين أن بعضها يعود إلى جولاتٍ سابقةٍ من الحروب أو حتى إلى ساحاتٍ أخرى. وإعادة تدوير المحتوى بهذا الشكل تساهم في تأجيج المشاعر، وتعطي انطباعاً مضخماً عن حجم العمليات أو تأثيرها.

كما تلعب “التسريبات” دوراً محورياً في هذه الحرب الإعلامية، إذ تُنشر أحياناً معلوماتٌ عن نيات تصعيدٍ أو خططٍ عسكريةٍ وشيكة، قد تكون جزءاً من حربٍ نفسيةٍ تهدف إلى اختبار ردود الفعل أو دفع الخصم إلى اتخاذ خطواتٍ محسوبةٍ سلفاً. وفي هذا السياق، برزت تقاريرُ متداولةٌ عن توسيع رقعة المواجهة أو دخول أطرافٍ إضافيةٍ بشكلٍ مباشر، ما يعكس استخدام الإعلام كأداة ضغطٍ بحد ذاته.

وهنا لا يمكن إغفال دور المنصات الرقمية، التي تحولت إلى ساحات اشتباكٍ مفتوحة. حساباتٌ منظمة، بعضها حقيقي والآخر وهمي، تعمل على تضخيم رواياتٍ محددة، ومهاجمة أي سرديةٍ مغايرة، وخلق حالةٍ من الاستقطاب الحاد. هذا النشاط يساهم في تشكيل رأيٍ عامٍ افتراضي قد لا يعكس بالضرورة الواقع، لكنه يؤثر بعمقٍ في كيفية تلقي الأحداث.

وهكذا تبدو الحرب الإعلامية اليوم جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الشاملة للصراع. فكما تُدار العمليات العسكرية بدقة، تُدار أيضاً معركة العقول بوسائل أكثر تعقيداً ودهاءً. وفي ظل هذا المشهد، يصبح الوصول إلى الحقيقة مهمةً شاقة، تتطلب وعياً نقدياً عالياً، وقدرةً على التمييز بين الخبر والمعلومة، وبين الرواية والواقع.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى