خاصأبرزرأي

الانتخابات في مهبّ الضغوط الدولية

حسين زلغوط, خاص”رأي سياسي”:

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقبلة، يتقدّم هذا الاستحقاق إلى واجهة المشهد السياسي اللبناني، محاطًا بضغوطات دولية متصاعدة تطالب بإجرائه في موعده الدستوري من دون تأجيل أو تمييع. هذه الضغوط لا تأتي من فراغ، بل تنبع من قراءة خارجية تعتبر أن انتظام الحياة الدستورية في لبنان يشكّل المدخل الإلزامي لأي مسار إنقاذي، في بلد يعاني من أزمات مركّبة سياسية ومالية وأمنية.

في المقابل، يبدو الداخل اللبناني منقسمًا إزاء هذا الاستحقاق. فبين من يرفع شعار يقول: “لا مسّ بالانتخابات”، باعتبارها حقًا ديمقراطيًا وضرورة لإعادة إنتاج السلطة، وبين من يلمّح إلى صعوبات تقنية ومالية وأمنية قد تبرّر التأجيل، تتكشّف الهوّة الواسعة بين منطق الدولة ومنطق إدارة الأزمات بالترحيل. وهنا تحديدًا تتقاطع الضغوط الدولية مع واقع داخلي مأزوم، لتضع الطبقة السياسية أمام امتحان جدّي في مدى التزامها بقواعد اللعبة الدستورية.

الرسائل الدولية، وإن اتخذت في العلن، إلى الآن، طابعًا ديبلوماسيًا هادئًا، إلّا أنها تحمل في جوهرها نبرة حازمة، فالمجتمع الدولي يربط بوضوح بين احترام المواعيد الانتخابية وبين أي انفتاح سياسي أو اقتصادي على لبنان. فالانتخابات، في هذا السياق، لم تعد مجرد استحقاق دوري، بل تحوّلت إلى مؤشر ثقة، وإلى معيار يُقاس عليه مدى جدية الدولة في الشروع بإصلاحات طال انتظارها، وأي إخلال بهذا الموعد سيُفسَّر على أنه خطوة إضافية في مسار تعطيل الدولة، وسيُرتّب أثمانًا سياسية واقتصادية لا تبدو البلاد قادرة على تحمّلها.

في الداخل، تُطرح جملة من الذرائع التي اعتاد اللبنانيون سماعها عند كل استحقاق مفصلي: نقص التمويل، الإرباك الإداري، الهواجس الأمنية، وحتى الانقسامات المرتبطة بالانتشار والاقتراع في الخارج. غير أن هذه الحجج، على أحقية بعضها الظاهرية، تصطدم بسؤال جوهري: لماذا تُستحضر دائمًا عند الاقتراب من الانتخابات، وتُغيب عند ما عداها من استحقاقات أقل حساسية؟ هذا السؤال يعزّز الشكوك لدى الرأي العام بأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في الإرادة السياسية.

وتزداد حساسية هذا الاستحقاق في ظل توازنات داخلية دقيقة. فالمجلس النيابي المقبل سيكون معنيًا بملفات مصيرية، من انتخاب رئيس للجمهورية، إلى إقرار تشريعات إصلاحية، وصولًا إلى مراقبة عمل حكومة يُفترض أن تواجه واحدة من أعقد المراحل في تاريخ البلاد.

من هنا، تبدو الانتخابات معركة سياسية بامتياز، لا تقلّ أهمية عن أي مواجهة إقليمية أو تفاوض دولي ينعكس على الساحة اللبنانية. واللافت أن الضغوط الدولية لا تُمارَس فقط من باب النصيحة أو الحرص على الديمقراطية، بل من زاوية حماية الاستقرار، على حدّ زعم من يتولاها. فغياب الانتخابات أو تأجيلها قد يفتح الباب أمام زيادة منسوب الاحتقان الشعبي، في وقت يعيش فيه اللبنانيون على وقع أزمات متشعّبة. إن المجتمع الدولي يدرك أن أي اهتزاز إضافي في البنية السياسية قد ينعكس فوضى اجتماعية وأمنية، وهو ما يسعى إلى تجنّبه، ولو من باب الضغط السياسي.

وهذا يقود إلى القول إن لبنان يقف اليوم عند مفترق حاسم، فالانتخابات النيابية المقبلة ليست تفصيلًا إجرائيًا ولا حدثًا عابرًا، بل اختبارًا فعليًا لصدقية الدولة وقدرتها على احترام مواعيدها الدستورية. ولذاك، من المتوقّع أن تستمر الضغوط الدولية، وربما تتصاعد مع قابل الأيام، لكن العامل الحاسم يبقى في الداخل: إما قرار واضح بإجراء الانتخابات في موعدها وفتح نافذة أمل، ولو ضيّقة، أمام إعادة تكوين السلطة، وإما الذهاب نحو مزيد من المراوحة والعزلة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على مستقبل البلد واستقراره.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى