افتتاحية اليوم: وعد غامض أم رسالة محسوبة؟

لم يمر تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب من دافوس، حين قال: «سأفعل شيئاً من أجل لبنان»، مرور الكرام. جملة قصيرة، لكنها كافية لإشعال سيل من التحليلات والتأويلات، خصوصاً أنها صدرت في لحظة إقليمية ودولية شديدة الخطورة، يتقاطع فيها المسار العسكري بالسياسي، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذ والأدوار في الشرق الأوسط بأكمله.
في السياسة، نادراً ما تكون الكلمات عفوية، وترامب تحديداً يعرف كيف يستخدم العبارات المقتضبة كأدوات ضغط ورسائل متعددة الاتجاهات. من هنا، لا يمكن قراءة كلامه عن لبنان بوصفه وعداً إنسانياً أو مبادرة خيرية، بل كإشارة سياسية مدروسة، تحمل أكثر من معنى وتستهدف أكثر من طرف.
أول ما يلفت في هذا التصريح هو توقيته ومكانه، فدافوس ليس منصة عابرة، بل منبراً دولياً يجتمع فيه صناع القرار الاقتصادي والسياسي، وإدخال لبنان في هذا السياق يعني، في حدّه الأدنى، إعادة وضعه على طاولة الاهتمام الدولي بعد سنوات من التهميش والانكفاء، لكنه في الوقت نفسه يشي بأن أي مقاربة أميركية للبنان لن تكون معزولة، بل جزءاً من رؤية أوسع للمنطقة.
العبارة بحد ذاتها جاءت عامة إلى حد الغموض. لم يتحدث ترامب عن مساعدات، ولا عن مبادرة سياسية واضحة، ولا عن خطة إنقاذ اقتصادية. فهذا الغموض ليس ضعفاً في الخطاب، بل عنصر قوة؛ فهو يترك الباب مفتوحاً أمام خيارات متعددة: من ضغط سياسي، إلى وساطة أمنية، إلى إعادة تحريك ملفات مجمدة، وفي مقدّمها ملف الحدود الجنوبية والاستقرار الهش مع إسرائيل.
في العمق، يمكن قراءة كلام ترامب كرسالة مزدوجة: الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل اللبناني، ومفادها أن الولايات المتحدة ما زالت ترى في لبنان ساحة مؤثرة لا يمكن تجاهلها، لكنها في الوقت نفسه ساحة مشروطة، وأي عمل أميركي لن يكون مجانياً، بل مرتبطاً بإعادة ترتيب التوازنات الداخلية، وبحدود دور القوى المسلحة خارج إطار الدولة.
أما الرسالة الثانية فهي إقليمية بامتياز. فلبنان هنا ليس الهدف بحد ذاته، بل جزء من مشهد أكبر يتصل بالصراع الأميركي – الإيراني، وبمحاولات ضبط إيقاع التوتر مع إسرائيل، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. في هذا السياق، يصبح لبنان ورقة تفاوض، أو مساحة اختبار لأي صيغة تهدئة أو تسوية أوسع.
لكن بين الكلام والتنفيذ مسافة طويلة، والتجربة اللبنانية مع الوعود الدولية حافلة بالخيبات، ما يفرض مقاربة حذرة. فما تحدث عنه الرئيس الأميركي قد يكون تدخلاً سياسياً محدوداً، أو ضغطاً إضافياً، أو حتى مجرد استخدام لبنان في الخطاب من دون ترجمة فعلية على الأرض.
لا شك أن تصريح ترامب لا يمكن فصله عن أسلوبه السياسي القائم على الغموض المقصود، فهو لم يقل أكثر مما يجب، ولم يلتزم بما يمكن محاسبته عليه لاحقاً، لكنه في المقابل أعاد لبنان إلى دائرة الضوء، ولو بالكلام. وبين الوعد المبهم والحسابات الصلبة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكون لبنان مستفيداً من هذا الاهتمام، أم مجرد تفصيل في لعبة الأمم؟




