أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: هل يُرفع سنّ التقاعد إلى 66 عاماً؟

يدخل لبنان مرحلة نقاش جدي حول رفع سنّ التقاعد إلى 66 عاماً في كلٍّ من القطاعين العام والخاص، في خطوة تعكس تحوّلات عميقة في بنية سوق العمل والتحديات المالية التي تواجه الدولة ومؤسساتها. ففي القطاع العام، يُدرَس المشروع ضمن الأطر الإدارية المختصة، فيما يتقدّم البحث في القطاع الخاص بالتنسيق مع وزارة العمل، ما يفتح الباب أمام مقاربة وطنية شاملة لهذا الملف الحساس.

ويأتي هذا التوجّه في سياق ضغوط مالية متزايدة تعانيها الخزينة، حيث يُشكّل بند الرواتب والتعويضات التقاعدية عبئاً كبيراً على الإنفاق العام. رفع سنّ التقاعد قد يُخفّف جزئياً من كلفة المعاشات، ويؤخّر خروج الموظفين من الخدمة، بما يساهم في الحفاظ على الخبرات داخل الإدارات والمؤسسات لفترة أطول. كما أن ارتفاع متوسط الأعمار وتحسّن الرعاية الصحية نسبياً يعزّزان منطق تمديد سنوات العمل.

غير أنّ المقاربة لا يمكن أن تكون مالية بحتة؛ فلبنان يعيش أزمة بطالة حادة، لا سيما بين الشباب، ورفع سنّ التقاعد قد يحدّ من فرص دخول كوادر جديدة إلى سوق العمل، ما يفاقم أزمة التشغيل ويعزّز ظاهرة الهجرة. وفي القطاع العام تحديداً، حيث التوظيف خاضع لتوازنات دقيقة، قد يُنظر إلى القرار على أنه تجميد غير مباشر للشواغر.

في القطاع الخاص، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ فتمديد سنوات العمل يعني عملياً إبقاء الموظفين لفترة أطول في وظائفهم، ما قد ينعكس إيجاباً على استمرارية المؤسسات، لكنه قد يزيد أيضاً من كلفة الأجور والتقديمات الاجتماعية، خصوصاً في ظل نظام تعويض نهاية الخدمة. كما يطرح الأمر تساؤلات حول طبيعة الأعمال الشاقة، وإمكانية التفريق بين المهن المكتبية والمهن التي تتطلب جهداً بدنياً كبيراً.

كذلك فإن الشق الاجتماعي لا يقلّ أهمية، إذ إن الكثير من الموظفين يعتبرون سنّ التقاعد محطة لاستعادة بعض الاستقرار الشخصي بعد سنوات طويلة من الخدمة في ظروف صعبة. رفع هذا السنّ قد يُفهَم على أنه تحميل إضافي لفئة استنزفتها الأزمات المتلاحقة، ما لم يُرفَق بإصلاحات شاملة في نظام التقاعد، كضمان معاشات عادلة وتأمين صحي مستدام بعد انتهاء الخدمة.

بفعل هذه المعطيات، لا يمكن حسم مسألة رفع سنّ التقاعد بمعزل عن رؤية إصلاحية متكاملة تشمل تحديث الإدارة العامة، وتحفيز النمو الاقتصادي، وإعادة هيكلة أنظمة الضمان والتقاعد. فالقرار، وإن بدا تقنياً، يحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى