أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: هل تصمد الإدارات أمام العاصفة؟

في كل مرة يلوح شبح الحرب فوق لبنان، لا يكون السؤال محصورًا بقدرته على الصمود على المستوى العسكري، بل يتعداه إلى سؤال أكثر إلحاحًا: هل تستطيع الدولة، بإدارتها ومؤسساتها وخدماتها، أن تتحمل وطأة التداعيات؟ فالحرب لا تُقاس فقط بعدد الغارات أو حجم الدمار، بل بقدرة الحكومة على إدارة الأزمة وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الخدماتي والإنساني للمواطنين.

تواجه الحكومة حاليًا تحديًا مزدوجًا؛ فمن جهة، هناك جهاز إداري مثقل أصلًا بأزمات مزمنة، من نقص في الكوادر إلى اهتراء في البُنى التنظيمية والمالية. ومن جهة أخرى، تفرض الحرب الإسرائيلية إيقاعًا استثنائيًا يتطلب قرارات سريعة وآليات طوارئ فعالة. وقد أثبتت التجربة أن الإدارات والمؤسسات العامة، رغم الروتين وبطئها التقليدي، قادرة في بعض المحطات على التكيف عندما تتوافر الإرادة السياسية والتنسيق المركزي. غير أن غياب التخطيط المسبق وإدارة المخاطر يجعل الأداء عرضة للاجتهادات الفردية بدلًا من أن يستند إلى خطط وطنية واضحة لإدارة الكوارث.

أما على المستوى الخدماتي، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ فقطاع الكهرباء هش، وشبكات المياه والصرف الصحي في حالة مزرية، والمستشفيات الحكومية جميعها تعمل في ظروف شبه طارئة حتى في زمن السلم. ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي، تتزايد احتمالات انقطاع الخدمات الأساسية أو تراجعها إلى مستويات خطرة، خصوصًا في المناطق المتضررة مباشرة أو تلك التي شهدت نزوحًا كبيرًا. وهنا يتقدم دور الوزارات المعنية في تنسيق الجهود مع البلديات والهيئات المدنية، كما تبرز أهمية إعادة توزيع الموارد المحدودة وفق أولويات ملحة تضع حياة المواطنين وسلامتهم في المقام الأول.

أما على المستوى الإنساني، فالتحدي الأكبر يتمثل في إدارة موجات النزوح الداخلي وتأمين الإيواء والمساعدات. ولبنان، الذي خبر تجارب النزوح مرارًا، يدرك أن أي مواجهة واسعة ستؤدي إلى انتقال آلاف العائلات من المناطق المستهدفة إلى مناطق أكثر أمنًا. وهنا السؤال ليس فقط عن القدرة على فتح مراكز إيواء، بل عن تأمين الغذاء والدواء والرعاية الصحية والتعليم للأطفال النازحين. وفي ظل ضيق الموارد العامة، يصبح التعاون مع المجتمع المدني والهيئات الدولية عاملًا حاسمًا، لكن من دون أن يعفي الدولة من مسؤوليتها الأساسية في التنظيم والرقابة والتوجيه.

ويبقى العامل السياسي حاسمًا في تحديد قدرة الحكومة على المواجهة؛ فالتماسك الداخلي، وتوحيد الخطاب الرسمي، وتجنب الانقسامات الحادة، كلها عناصر تعزز ثقة المواطنين وتمنع الانهيار المعنوي. في المقابل، فإن أي ارتباك سياسي أو تضارب في القرارات قد يضاعف آثار الحرب ويحوّل الأزمة العسكرية إلى انهيار إداري شامل.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى