افتتاحية اليوم: نصف قرن مّرت على الحرب ..علينا أخذ العبر ومنع عودتها

نصف قرن مرّت على اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في الثالث عشر من نيسان، والمشهد لم يتبدد، فالإنقسامات والتناقضات السياسية وحتى الطائفية ما تزال كما كانت عليه قبل خمسين عامًا، كما أن المشهد السياسي من مختلف زواياه ما زال على حاله من التمزق والتبعثر بين تناقضات حادة في الرؤى والفهم للسيادة والاستقلال، والاستقواء بالخارج على ابناء الوطن.
لم تكن الحرب الاهلية لتقع في ذاك الحين لو لم نفتحها بتناقضاتنا الكثيرة التي جعلت الوطن ومستقبله في مهب الريح. كما ان ضياع هويتنا الوطنية وارتباطاتنا الاقليمية والدولية، وصراعاتنا التي لا تنتهي، والتي نحب احيانًا ان نعنونها تجاهلًا او جهلًا ب”حروب الآخرين على ارضنا” . هذه الأحداث والانقسامات التي عشناها ولا نزال نعيشها في لبنان منذ الاستقلال، أي قبل وبعد الثالث عشر من نيسان، لا زالت تداعياتها مستمرة الى يومنا هذا، وحتمًا ستستمر وربما ستولد حربًا اهلية او حروبًا جديدة، ان لم يكن لدينا ارادة توقف النزف الحاصل على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية، ونعمل كمجموعة واحدة من أجل النهوض بالوطن.
لا شك ان العودة للحرب البغيضة من الممكن ان تتكرر ويعود شبحها القاتم المخيف، فالحذر واجب مخافة ايقاظ الفتنة النائمة نتيجة الخطاب السياسي المتشنج الذي في أغلب الأحيان ينعكس على الشارع المحتقن بالصراعات المذهبية والسياسية والقابل للإنفجار في أي وقت، على الرغم من محاولة البعض تصوير هذا الخوف بأنه مبالغ فيه، وأن الشعب اللبناني الذي خبر مآسي الحرب لا يمكن ان يعود اليها.
لقد اظهرت بعض سيناريوهات الأحداث الأخيرة وما قبلها من خضات وتوترات، كم هو هَش وضعيف سلمنا الأهلي وبائس ومتداع وفاقنا الوطني. وهو عرضة للدمار والتمزُق مع كل هبّة ريح داخلية او متغيرات في محيطنا الاقليمي الملتهب، أو على المستوى الدولي بعد أن أصبحت كل الأمور مترابطة مع بعضها البعض من المحيط الى الخليج، وللأسف نعيش البعض منها في وقتنا الراهن.
وبمناسبة مرور يوم واحد بعد الخمسين عاما على اندلاع الحرب المشؤومة، علينا أن نتعلم كيف نستفيد من جراحنا ومن اخذ العِبر مما جرى ويجرى علينا، من خلال تمتين سلمنا الأهلي، وتدعيم بنائنا الداخلي على أسس صلبة، والعمل سويًا في عملية الاصلاح والبناء، التي نأمل أن تكون قد بدأت مع العهد الجديد.
إن المسؤولية تقع على عاتقنا جميعًا، لأن انهيار الهيكل، في حال حصل لاسمح الله، سيسقط على رؤسنا جميعا ولن يخرج منا أحد رابح، فالكل خاسر اذا هوى الوطن وسقط .
فالنغتنم الفرصة السانحة اليوم ولنذهب الى الحوار، المؤدي الى المصارحة، والمصالحة والتسامح، ومن ثم علينا تحديد الأولويات، ومناقشة الأمور المعقدة الجاثمة على صدورنا جميعاً، ومقاربة القضايا الخلافية بموضوعية، وبالتنازل عن مصالحنا الضيّقة لصالح القضايا الكبرى، والا فإن السِلم الأهلي والاستقرار الوطني، سيتعرضان للإهتزاز ومن ثم الى السقوط حيث لا يعود ينفع الندم.




