أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: ماغرو… ومسعى الإليزيه

في توقيت دقيق يتقاطع فيه التصعيد الميداني مع انسداد الأفق السياسي، برزت جولة السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو على المسؤولين اللبنانيين كإشارة تستحق التوقف عندها. فقد زار رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وقبله بيوم زار رئيس مجلس النواب نبيه بري، في حركة توحي بأن باريس تعيد تفعيل قنواتها التقليدية في لحظة بالغة الحساسية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحمل هذه الجولة أفكاراً ملموسة لوقف الحرب بين لبنان وإسرائيل، أم أنها مجرد عملية جسّ نبض؟

القراءة الأولى لهذه الزيارات تشير إلى أن فرنسا، التي لطالما حاولت لعب دور الوسيط، تسعى إلى إعادة تموضعها في المشهد اللبناني–الإقليمي. فالحراك الدبلوماسي في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن المخاوف المتزايدة من توسّع رقعة المواجهة، خصوصاً في ظل تزايد الحديث عن سيناريوهات ميدانية أكثر خطورة. من هنا، تبدو جولة ماغرو أقرب إلى محاولة استكشاف الحدود السياسية المتاحة لأي مبادرة محتملة، ومعرفة ما إذا كانت الأرضية اللبنانية جاهزة لتلقّف طرح ما.

في المقابل، لا يمكن إغفال أن باريس تدرك جيداً حدود قدرتها على التأثير منفردة، فملف الحرب والسلم في الجنوب اللبناني لا يُحسم في بيروت وحدها، بل يرتبط بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، حيث تلعب الولايات المتحدة دوراً محورياً في رسم الإيقاع العام. لذلك، قد تكون تحركات السفير الفرنسي جزءاً من جهد أوسع يهدف إلى تجميع المعطيات قبل بلورة موقف أو مبادرة بالتنسيق مع شركاء دوليين.

ومع ذلك، تحمل اللقاءات دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، فاختيار توقيتها، والجهات التي شملتها، يعكسان اهتماماً فرنسياً بإعادة فتح قنوات الحوار مع مختلف مراكز القرار اللبناني، وهذا يوحي بأن باريس لا تزال ترى في لبنان ساحة يمكن التحرك فيها دبلوماسياً، ولو بهوامش محدودة، لتفادي الانزلاق إلى حرب مدمرة.

أما على المستوى اللبناني، فإن استقبال المسؤولين لماغرو يندرج في إطار الحرص على إبقاء الأبواب مفتوحة أمام أي مسعى خارجي يمكن أن يخفف من حدة التصعيد، لكن في الوقت نفسه، فإن الموقف الرسمي يبدو حذراً، إذ لا مؤشرات واضحة حتى الآن على وجود مبادرة متكاملة أو خريطة طريق محددة.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن جولة السفير الفرنسي تقع في المنطقة الرمادية بين جسّ النبض والتمهيد، فهي لا ترقى بعد إلى مستوى مبادرة واضحة، لكنها بالتأكيد ليست تحركاً عابراً. إنها خطوة استباقية، هدفها اختبار المواقف وتحديد إمكانيات التحرك، في انتظار لحظة سياسية قد تسمح بتحويل هذه الاتصالات إلى مسار تفاوضي فعلي.

من هنا تبدو باريس وكأنها تضع قدماً على طريق الوساطة، من دون أن تملك بعد كامل أدواتها. أما نتائج هذه الجولة، فتبقى رهناً بتطورات الميدان أولاً، وبمدى توافر إرادة دولية حقيقية لوقف الحرب ثانياً.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى