أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: عندما تتطاير الطاقة

تحوّلت الألواح الشمسية في لبنان، خلال الأعوام الأخيرة، إلى خشبة خلاص في ظل أزمة الكهرباء المزمنة، وانتشرت بسرعة قياسية على أسطح المنازل والمؤسسات.
في الصيف، بدت هذه الألواح نعمة حقيقية، تخفف فاتورة المولدات وتمنح ساعات تغذية مستقرة، لكن مع دخول فصل الشتاء بدأت صورة مختلفة تتشكل، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على تراجع الإنتاج، بل تعدّتها إلى مخاطر حقيقية تمس السلامة العامة.

أولى الإشكاليات الشتوية تكمن في العامل المناخي، فالعواصف القوية التي تضرب لبنان، مصحوبة برياح شديدة وأمطار غزيرة، كشفت ضعفاً في طرق تركيب عدد كبير من الألواح. في أكثر من منطقة، تطايرت ألواح شمسية عن أسطح المباني، وسقط بعضها في الشوارع أو على شرفات وجدران مجاورة، مهددة حياة المارة والسكان. هذه المشاهد حوّلت الطاقة النظيفة من حلّ آمن إلى مصدر قلق يومي، خصوصاً في الأحياء المكتظة.

ولا تقل المشكلة التقنية خطورة عن الأمنية، فكثير من الأنظمة رُكّبت على عجل، من دون الالتزام بمعايير تثبيت صارمة تتحمّل ضغط الرياح، وغياب الرقابة واندفاع السوق نحو الربح السريع أدّيا إلى انتشار هياكل معدنية ضعيفة أو مسامير غير مناسبة، ما جعل الألواح عرضة للاقتلاع مع أول منخفض جوي قوي. ومع كل عاصفة، تتكرر الأسئلة: من يتحمل المسؤولية؟ ومن يعوّض الأضرار؟

إلى جانب خطر التطاير، يعاني المستخدمون من تراجع حاد في الإنتاج خلال الشتاء بسبب الغيوم وقصر النهار، فهذا التراجع يفرض العودة الجزئية إلى المولدات أو الشبكة الرسمية، ما يضاعف الكلفة بدل أن يخفضها. ومع بطاريات غير كافية أو رديئة النوعية، تصبح التجربة مخيبة للآمال لمن اعتقد أن الطاقة الشمسية حل شامل لكل الفصول.

وعدا عن ذلك كله، يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة عند تركيب نظام مكلف مادياً، ومرة أخرى عند صيانته أو إصلاح أضراره بعد العواصف. أما اجتماعياً، فإن الخوف من تطاير الألواح وسقوطها أعاد طرح مسألة السلامة العامة في بلد يعاني أصلاً من بنى تحتية هشة.

كل ما تقدم يقود إلى القول إنه لا يمكن إنكار أهمية الطاقة الشمسية في لبنان، لكنها من دون تنظيم، ومعايير تثبيت واضحة، وتخطيط يأخذ الشتاء بعين الاعتبار، قد تتحول من مشروع إنقاذي إلى عبء موسمي، حيث لا ينحصر الخطر بانقطاع الكهرباء، بل يمتد ليطرق أبواب السلامة والأمان لدى الناس.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى