أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: شكاوى تصطدم بـ”الفيتو”

قدّمت وزارة الخارجية اللبنانية أمس شكوى جديدة إلى مجلس الأمن الدولي، ردًّا على ما وصفته بانتهاك خطير لسيادة لبنان من قبل إسرائيل. ورغم أن الخطوة بحدّ ذاتها ليست طارئة في سجلّ العلاقات المتوترة بين لبنان وإسرائيل، إلّا أنها تعيد فتح النقاش حول جدوى هذه الشكاوى، وحدود تأثيرها في ظلّ ميزان القوى الإقليمي والدولي القائم.

من حيث الشكل، يندرج تقديم الشكوى ضمن المسار القانوني والدبلوماسي الذي دأبت الدولة اللبنانية على اعتماده منذ عقود لتسجيل الخروقات الإسرائيلية المتكررة، سواء في الجو، أو البرّ، أو البحر. فالدول الصغيرة والمتوسطة عادةً ما تعتمد هذا النوع من الأدوات لحماية موقعها القانوني في المحافل الدولية، ولإبقاء الانتهاكات في دائرة المتابعة العالمية.

لكن من حيث المضمون والنتائج، يدرك اللبنانيون أن هذه الشكاوى نادرًا ما تُحدث تحولًا فعليًا في سلوك إسرائيل، فمجلس الأمن، بشكله الحالي، محكوم بتوازنات قوى تمنع في معظم الأحيان صدور قرارات رادعة بحقّ تل أبيب، سواء بفعل الفيتو الأميركي أو بسبب أولويات دولية لا تضع الحدود اللبنانية–الإسرائيلية في رأس قائمة الاهتمامات. وهذا ما يجعل الشكوى، رغم أهميتها المبدئية، خطوة ذات أثر محدود على مستوى الردع أو تغيير الوقائع على الأرض.

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من القيمة السياسية للخطوة. فلبنان، الذي يعيش لحظة داخلية شديدة التعقيد على أكثر من مستوى، يجد في هذه الإجراءات وسيلة لإعادة تأكيد وحدته حول ملفّ سيادي جامع، ولإظهار أنه لا يزال قادرًا على استخدام أدوات القانون الدولي ولو في حدّها الأدنى. كذلك ترسل الشكوى رسالة دبلوماسية بأن لبنان يرفض تحويل حدوده وبحره وجوّه إلى ساحة مفتوحة بلا قواعد، وبأن أيّ تصعيد إضافي ستكون له تبعات تتجاوز الحيّز الجغرافي المباشر.

تكمن المعضلة في أن الشكوى، مهما كانت صياغتها قوية، تبقى جزءًا من لعبة سياسية أكبر تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية معقدة. فبين لبنان الذي يسعى إلى تثبيت حدوده وحقوقه، وإسرائيل التي تعتمد سياسة فرض الوقائع، يقف مجلس الأمن عاجزًا أو غير راغب بالتدخل الحاسم.

وأمام ما تقدّم، يتبيّن أن الشكوى لا تغيّر شيئًا جذريًا، لكنها أيضًا ليست بلا قيمة. إنها تثبيت لموقف، وتذكير دائم بأن هناك اعتداءات موثّقة، وقد يُستخدم هذا الموقف في لحظة مؤاتية. وفي غياب ميزان قوى يسمح بفرض القرارات، يبقى الصوت اللبناني في مجلس الأمن ضرورة، ولو كان تأثيره محدودًا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى