افتتاحية اليوم: دلالات زيارة غوتيريش إلى لبنان

في خضم الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان وما تخلّفه من دمار بشري ومادي وضغط إنساني متصاعد، تبرز زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى بيروت كحدث سياسي ودبلوماسي يستحق التوقف عند دلالاته. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: ماذا يمكن للبنان أن يجني فعلياً من هذه الزيارة؟ وهل تشكّل هذه الزيارة خطوة مؤثرة في مسار الأزمة، أم أنها مجرد محطة بروتوكولية تندرج في إطار الدبلوماسية التقليدية؟
من الناحية الرمزية، تحمل الزيارة رسالة تضامن دولي مع لبنان في لحظة دقيقة من تاريخه، فحضور أعلى مسؤول أممي إلى بلد يعيش تحت وطأة الحرب يعني أن الأزمة اللبنانية ما زالت حاضرة على جدول الاهتمامات الدولية، وأن المجتمع الدولي لا يستطيع تجاهل ما يجري على أرضه. ومثل هذه الزيارات غالباً ما تعيد تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية، وتدفع المؤسسات الدولية إلى تكثيف جهودها الإغاثية والإنسانية، خصوصاً في ظل موجات النزوح الواسعة والضغوط الكبيرة على البنى التحتية والخدمات الأساسية.
لكن البعد الرمزي، على أهميته، لا يكفي وحده لطمأنة اللبنانيين الذين يعيشون يومياً تحت تهديد القصف والتصعيد العسكري. فالأمم المتحدة، رغم مكانتها الدولية، لا تمتلك أدوات تنفيذية مباشرة لفرض وقف إطلاق النار أو ردع أي طرف عن الاستمرار في العمليات العسكرية، وهو ما يجعل كثيرين ينظرون إلى مثل هذه الزيارات بشيء من الشك أو التحفظ، باعتبارها تعبيراً عن القلق الدولي أكثر مما هي مبادرة قادرة على تغيير الوقائع الميدانية.
مع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية الدور السياسي الذي قد تلعبه هذه الزيارة على مستوى الضغط الدبلوماسي، فلقاءات غوتيريش مع المسؤولين اللبنانيين وقيادات البعثات الدولية قد تسهم في نقل صورة أكثر وضوحاً عن حجم المخاطر التي يواجهها لبنان، وهو ما قد يدفع باتجاه تحريك الجهود الدولية لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب أوسع نطاقاً. كما أن الزيارة قد تعيد التذكير بضرورة احترام القرارات الدولية المرتبطة بلبنان، وخصوصاً تلك التي تنظم الوضع على الحدود الجنوبية، كالقرار 1701.
إلى جانب ذلك، يمكن أن تشكّل الزيارة فرصة لإعادة طرح ملف دعم لبنان اقتصادياً وإنسانياً، في ظل الأعباء الهائلة التي تفرضها الحرب على دولة تعاني أصلاً من أزمة مالية خانقة. فالمساعدات الإنسانية وإعادة إعمار ما تهدّم قد تصبح جزءاً من النقاش الدولي إذا نجحت الأمم المتحدة في إبقاء لبنان ضمن دائرة الاهتمام العالمي.
انطلاقاً مما تقدم، قد لا تحمل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة حلولاً سحرية توقف الحرب أو تبدّل موازين القوى، لكنها ليست أيضاً مجرد حدث بروتوكولي فارغ. فهي تقع في المنطقة الفاصلة بين الرمزية السياسية والضغط الدبلوماسي، حيث تبقى قيمتها الحقيقية مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على تحويل الرسائل الداعمة إلى خطوات عملية تخفف عن لبنان كلفة حرب تبدو حتى الآن مفتوحة على كل الاحتمالات.




