أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: ترحيب جنوبي بالدولة

حظيت زيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى الجنوب بترحيب واسع، عكس حجم الترقب الشعبي لأي خطوة رسمية تعيد الاعتبار لهذه المنطقة التي دفعت، ولا تزال، أثمانًا باهظة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. لم تكن الزيارة بروتوكولية أو رمزية، بل حملت في طياتها دلالات سياسية وإنمائية واضحة، تُترجم برزمة مشاريع ووعود عملية تستهدف تعزيز صمود الجنوبيين في أرضهم، في مواجهة الاحتلال والتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

الجنوب، الذي شكّل تاريخيًا خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية، وجد في هذه الزيارة رسالة مباشرة مفادها أن الدولة عادت لتضعه في قلب أولوياتها. فقد حرص سلام على التأكيد أن حماية الأرض لا تكتمل من دون حماية الإنسان، وأن الصمود لا يكون فقط بالمواجهة، بل أيضًا بالتنمية، وتأمين مقومات العيش الكريم، وتثبيت السكان في قراهم وبلداتهم الحدودية.

الرزمة التي حملها رئيس الحكومة شملت مشاريع حيوية في البنى التحتية، من طرقات ومياه وكهرباء، إلى جانب خطط لدعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة، التي تشكل عصب الاقتصاد الجنوبي. كما برز التركيز على إعادة تفعيل المرافق العامة وتعزيز الخدمات الصحية والتربوية، بما يخفف من الأعباء اليومية التي يرزح تحتها المواطنون، ويحدّ من الهجرة الداخلية التي استنزفت المنطقة على مدى سنوات.

سياسيًا، جاءت الزيارة لتؤكد تمسك الحكومة بثوابت السيادة الوطنية ورفضها لأي أمر واقع يفرضه الاحتلال. وفي الوقت نفسه، حملت مقاربة هادئة تربط بين الموقف الوطني الصلب والعمل المؤسساتي المنظم، بما يعيد الاعتبار لدور الدولة كمرجعية جامعة، قادرة على حماية مواطنيها ورعاية شؤونهم بعيدًا عن الشعارات.

الترحيب الجنوبي الواسع لم يكن نابعًا فقط من مضمون المشاريع، بل أيضًا من رمزية الحضور الحكومي في منطقة لطالما شعرت بأنها متروكة لمصيرها. فقد قرأ كثيرون في الزيارة محاولة جادة لإعادة بناء الثقة بين الدولة وأبنائها في الجنوب، على قاعدة الشراكة والمسؤولية المتبادلة.

في المحصلة، تشكل زيارة نواف سلام محطة سياسية وإنمائية لافتة، تضع الجنوب مجددًا في واجهة الاهتمام الوطني، وتؤسس لمسار يُفترض أن يُستكمل بخطوات تنفيذية ملموسة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق الوعود، بل في ترجمتها إنجازات تعزز الصمود، وتؤكد أن الدولة، حين تحضر بجدية، قادرة على أن تكون سندًا حقيقيًا لأبنائها في مواجهة الاحتلال وكل أشكال التهميش.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى