افتتاحية اليوم: تحركات عربية تصطدم بتعقيدات

في خضم الحراك الدبلوماسي المتسارع في المنطقة قبل موعد المفاوضات الإيرانية والأميركية في باكستان، المفترض أن تنطلق السبت، تتكثف الاتصالات العربية مع الولايات المتحدة الأميركية في محاولة لإدراج لبنان ضمن أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار.
غير أن هذه الجهود، على الرغم من زخمها السياسي، لم تترجم حتى الآن إلى نتائج ملموسة، ما يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بالملف اللبناني، وتداخله مع حسابات إقليمية ودولية متشابكة.
تسعى الدول العربية، ومنها قطر ومصر والسعودية، إلى الدفع نحو مقاربة شاملة لا تقتصر على وقف العمليات العسكرية في جبهة دون أخرى، بل تمتد لتشمل لبنان، الذي يعيش تحت وطأة تصعيد متدرج يهدد بانفجار واسع.
هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي تهدئة جزئية ستبقى هشة وقابلة للانهيار، ما لم تترافق مع معالجة متكاملة لبؤر التوتر كافة، وفي مقدمها الجبهة الجنوبية اللبنانية.
إلا أن العقبة الأساسية تكمن في تباين الأولويات بين الأطراف المعنية. فواشنطن، التي تدير مسار التفاوض بحذر، تبدو أكثر ميلاً إلى مقاربات مرحلية تفصل بين الساحات، وتتعامل مع كل جبهة وفق خصوصيتها. في المقابل، ترى الدول العربية أن هذا النهج يساهم في إطالة أمد التوتر، ويمنح هامشاً إضافياً لتوسع رقعة الاشتباك.
كما أن إدراج لبنان في أي اتفاق لوقف النار يصطدم بعوامل ميدانية وسياسية معقدة، فالوضع في الجنوب لا يُقرأ بمعزل عن التوازنات الداخلية، ولا عن ارتباطه الوثيق بالصراع الأوسع في المنطقة، وهو ما يجعل أي التزام بوقف شامل للنار رهناً بتفاهمات أعمق تتجاوز البعد العسكري إلى مقاربات سياسية وأمنية طويلة الأمد.
إلى جانب ذلك، يبرز العامل الإسرائيلي كعنصر حاسم في تحديد مسار هذه الجهود، إذ إن أي اتفاق لا يحظى بقبول تل أبيب، أو لا يراعي حساباتها الأمنية، يبقى عرضة للتعطيل. وهذا ما يفسر جزئياً التعثر الحالي، حيث تتقاطع التحفظات الإسرائيلية مع التردد الأميركي في الذهاب نحو تسوية شاملة تشمل لبنان.
وفي هذا السياق، يبدو أن الجهود العربية، رغم أهميتها، تصطدم بسقف سياسي لم يُكسر بعد. فالمسألة لا تتعلق فقط بإرادة التهدئة، بل بمدى استعداد الأطراف المختلفة لتقديم تنازلات متبادلة، وهو أمر لم تتوافر شروطه حتى الآن.
وعليه، سيبقى لبنان في دائرة الانتظار، عالقاً بين تصعيد ميداني مفتوح، ومساعٍ دبلوماسية لم تنضج بعد. وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، إما باتجاه احتواء تدريجي للأزمة، أو نحو انزلاق أوسع يصعب ضبطه.




