أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: تجار الحرب

مع عودة الحرب الإسرائيلية إلى لبنان، وما رافقها من موجات نزوح واسعة من قرى الجنوب والضاحية، برزت ظاهرة مقلقة تعكس جانباً مظلماً من الأزمات الكبرى، وهي استغلال حاجة الناس في لحظات الخوف والتهجير. فبدلاً من أن تتحول المحنة إلى مناسبة لتعزيز التضامن الاجتماعي، ظهرت ممارسات قائمة على المضاربة ورفع الأسعار بصورة غير مسبوقة، طالت المواد الغذائية الأساسية كما طالت سوق الإيجارات، في مشهد يعكس خللاً أخلاقياً واقتصادياً في آن واحد.

منذ الأيام الأولى للنزوح، بدأ المواطنون يلاحظون ارتفاعاً سريعاً في أسعار الخضار والمواد الغذائية واللحوم والدجاج. بعض السلع الغذائية تضاعف سعرها خلال أيام قليلة، فيما برّر التجار ذلك بارتفاع الطلب وزيادة كلفة النقل أو تراجع العرض، لكن هذا التبرير لم يقنع كثيرين، خصوصاً أن الارتفاع جاء مفاجئاً ومتزامناً مع تدفق آلاف العائلات الباحثة عن ملاذ آمن، ما أعطى الانطباع بأن الأزمة تحولت إلى فرصة للبعض لتحقيق أرباح سريعة على حساب معاناة الآخرين.

ولم تقف الظاهرة عند حدود الأسواق الغذائية، بل امتدت إلى قطاع السكن، فالشقق المفروشة والفارغة تحولت إلى سلعة نادرة مع تزايد أعداد النازحين، الأمر الذي دفع بعض المالكين إلى رفع بدلات الإيجار إلى أضعاف ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهات. عائلات كثيرة وجدت نفسها مضطرة لدفع مبالغ مرتفعة مقابل تأمين سقف يحميها من القصف، فيما فضّل البعض البقاء في مدارس أو مراكز إيواء مؤقتة، أو حتى في سياراتهم، لعدم قدرتهم على تحمّل هذه التكاليف.

هذه الممارسات تعكس واقعاً اقتصادياً مأزوماً أصلاً، إذ يعيش لبنان منذ سنوات تحت وطأة انهيار مالي غير مسبوق أفقد العملة الوطنية معظم قيمتها، وأضعف قدرة الدولة على ضبط الأسواق. ومع اندلاع الحرب، تراجعت الرقابة أكثر، ما فتح الباب أمام فوضى في الأسعار واستنسابية في التسعير، في ظل غياب فعلي لأي آلية ردع.

لكن المسألة تتجاوز البعد الاقتصادي لتلامس البعد الأخلاقي والاجتماعي، فالمجتمعات في زمن الحروب تُقاس بقدرتها على التضامن والتكافل، لا بقدرة بعض أفرادها على تحويل المأساة إلى تجارة. والتاريخ اللبناني حافل بمحطات أثبت فيها الناس قدرتهم على احتضان بعضهم البعض في أصعب الظروف، ما يجعل هذه الظواهر الطارئة تبدو نشازاً عن الصورة التي يرغب كثيرون في الحفاظ عليها.

ومواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركاً سريعاً على مستويين: الأول رسمي، عبر تفعيل الرقابة على الأسعار ومنع الاستغلال الفاضح؛ والثاني اجتماعي، عبر تعزيز ثقافة التضامن والمسؤولية المشتركة. فالحرب قد تفرض واقعاً قاسياً على الناس، لكنها لا يجب أن تتحول إلى فرصة لتآكل القيم التي يقوم عليها المجتمع.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى