افتتاحية اليوم: بري.. والخماسية.. والانتخابات

أعاد الحديث عن طلب اللجنة الخماسية تأجيل الانتخابات النيابية خلط الأوراق في المشهد السياسي اللبناني، خصوصاً بعد دخول رئيس مجلس النواب نبيه بري على خط النقاش بموقف واضح وحاسم. فالرجل الذي يُعدّ أحد أبرز أركان التوازنات الداخلية، عبّر عن تمسّكه بإجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، معتبراً أن أي مساس بدورية الاستحقاقات يفتح الباب أمام أعراف خطيرة لا يحتملها النظام اللبناني.
من المعلوم أن اللجنة الخماسية تضم كلاً من الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، ومصر، وقد اضطلعت خلال المرحلة الماضية بدور داعم للاستقرار السياسي والمؤسساتي في لبنان. غير أن طرح التأجيل، ولو من باب الحرص على التهدئة، أثار حساسية واسعة في الداخل اللبناني، نظراً لما يحمله من دلالات سياسية تتجاوز الجانب التقني أو الأمني.
فالرئيس بري يشدد في مواقفه على أن المجلس النيابي هو مصدر الشرعية الشعبية، وأن احترام المهل الدستورية يشكّل ركناً أساسياً في انتظام الحياة العامة، وهو يعتبر أن الذهاب إلى التأجيل، تحت أي عنوان، يجب أن يبقى في إطار الضرورة القصوى وضمن توافق وطني شامل، لا أن يُفرض كأمر واقع تحت ضغط الظروف.
وفي قراءته، فإن التحديات الإقليمية والدولية والخوف من وقوع الحرب لا تبرّر تعليق المسار الديمقراطي، بل تستدعي تعزيز الثقة بالمؤسسات عبر الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
في المقابل، يرى مؤيدو الطرح الخارجي أن المناخ الإقليمي المتوتر، إضافة إلى هشاشة الوضع الأمني نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، قد ينعكس سلباً على حسن سير العملية الانتخابية، وأن تأجيلاً محدوداً قد يتيح تحضيراً أفضل ويمنع انزلاقات محتملة.
إلا أن هذا المنطق يصطدم بهواجس داخلية من أن يتحوّل «التقني» إلى سياسي، وأن يُستدرج لبنان إلى تمديد جديد يفاقم أزمة الثقة المتراكمة منذ سنوات.
والمفارقة هنا أن لبنان يقف مجدداً عند تقاطع إرادات: إرادة خارجية تسعى إلى تحصين الاستقرار، وإرادة داخلية منقسمة بين من يقدّم أولوية الأمن ومن يقدّم أولوية الديمقراطية. وبينهما يبرز موقف بري كإشارة إلى تمسّك جزء وازن من الطبقة السياسية بقواعد اللعبة الدستورية، ولو في ظل عواصف إقليمية عاتية.
إزاء هذا كله، يبقى الحسم رهناً بتوازن دقيق بين ضرورات المرحلة واحترام الأصول الدستورية. غير أن أي قرار لن يكون قابلاً للحياة ما لم يُبنَ على توافق داخلي صريح، يضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الظرفية، ويؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر مؤسسات فاعلة ومنتخبة في مواعيدها.




