أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: الموازنة… والعبور الصعب

خرجت الموازنة العامة من «خرم الإبرة» بعد مسار شائك من النقاشات الحادة والمداخلات السياسية المتشابكة، التي عكست حجم الانقسام العمودي داخل مجلس النواب، لكنها في الوقت نفسه أظهرت أن ميزان التسويات ما زال قادراً على العمل عند حافة الانهيار.

فإقرار الموازنة لم يكن نتيجة توافق عريض، بقدر ما كان ثمرة إدارة دقيقة للاشتباك السياسي، لعب فيها «الثنائي الشيعي»، وتحديداً الرئيس نبيه بري، دور الرافعة الأساسية للحكومة في لحظة دقيقة.

منذ اللحظة الأولى لبدء مناقشة الموازنة، بدا واضحاً أن النقاش سيتجاوز الأرقام والبنود ليتحوّل إلى منصة لتبادل الرسائل السياسية ورفع السقوف، سواء في ما يتعلق بالخيارات المالية، أو بالمسار العام للحكومة، أو بموقعها وسط الأزمات المتراكمة. ومع ذلك، تمكّن المجلس من تجنّب الانزلاق إلى تعطيل شامل، في مشهد يوحي بأن الجميع يدرك خطورة السقوط في الفراغ المالي، مهما بلغت حدّة الخلافات.

في هذا السياق، برز دور كتلتي الإنماء والتحرير والوفاء للمقاومة، وعدد من النواب السنّة، كعامل توازن حاسم. فمن جهة، أمّنوا الغطاء السياسي اللازم لتمرير الموازنة ومنع تفجير الجلسات في لحظات التوتر القصوى، ومن جهة أخرى حافظوا على خط تواصل مفتوح مع مختلف الكتل، ما سمح بامتصاص الصدمات المتتالية التي كادت تعصف بالمسار التشريعي برمّته. هذا الدور لم يكن تفصيلاً عابراً، بل شكّل ركيزة أساسية لاستمرار عمل الحكومة في مرحلة تتسم بهشاشة داخلية وضغوط خارجية متزايدة.

إن إقرار الموازنة، رغم كل ما رافقه من اشتباك، يحمل دلالات تتجاوز بعدها المالي. فهو يؤكّد أن منطق التسوية لا يزال حاضراً، ولو بالحد الأدنى، وأن القوى السياسية، على اختلافها، لم تصل بعد إلى مرحلة القطيعة الكاملة. لكنه في المقابل يكشف عمق الأزمة البنيوية، حيث تُقَرّ الموازنات كإجراء اضطراري لا كجزء من رؤية إصلاحية شاملة تعالج جذور الانهيار.

وعليه، يمكن القول إن الحكومة خرجت من هذا الامتحان مثقلة لا منتصرة. فالموازنة التي أُقِرّت هي موازنة الممكن لا موازنة الطموح، وموازنة العبور لا موازنة الإنقاذ. أمّا الرهان الحقيقي فيبقى على ما إذا كان هذا العبور الضيّق سيفتح نافذة لالتقاط الأنفاس والشروع بخطوات أكثر جرأة، أم أنّه سيبقى مجرّد تأجيل إضافي لأزمة مؤجَّلة، في بلد اعتاد إدارة أزماته على حافة الهاوية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى