افتتاحية اليوم: “القضم الهادئ”

في ظلّ تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية، تحاول إسرائيل فرض وقائع ميدانية جديدة داخل الأراضي اللبنانية، مستغلّة انهماك المجتمع الدولي بأزمات أخرى، وغياب موقف حازم من الدول الراعية لاتفاقية الهدنة، وفي مقدّمها الولايات المتحدة وفرنسا. هذا المشهد يطرح أسئلة جوهرية حول حدود التزام تلك الدول بمنع الانزلاق إلى حرب جديدة، وحول قدرة لبنان على حماية سيادته في لحظة إقليمية بالغة التعقيد.
منذ أشهر، تعتمد إسرائيل سياسة “القضم الهادئ”، عبر توسيع نقاط انتشارها العسكرية، وإقامة تحصينات متقدّمة، وتنفيذ عمليات محدودة في الجنوب، في محاولة لتعديل الوضع القائم بما يخدم أهدافها الاستراتيجية. هذه المقاربة لا تقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل تحمل أبعاداً سياسية تهدف إلى الضغط على الدولة اللبنانية، ودفعها إلى قبول ترتيبات جديدة تُضعِف موقعها التفاوضي في أي تسوية مقبلة.
في المقابل، يكتفي المجتمع الدولي ببيانات عامة تدعو إلى التهدئة، من دون اتخاذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات المتكررة. أما واشنطن وباريس، اللتان هندستا خطوط التهدئة، فتبدو مقاربتهما أقرب إلى إدارة الأزمة وليس معالجتها. إذ يركز الطرفان على منع انفجار واسع يمكن أن يجرّ لبنان وإسرائيل الى حرب جديدة وقاسية، بينما يغضّان الطرف عن السلوك الإسرائيلي الذي يجرّ بدوره الوضع نحو حافة الخطر.
هذا الصمت لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الأكبر، إذ تحرص الولايات المتحدة على حماية موقع إسرائيل وسط التوترات الإقليمية، فيما تسعى فرنسا إلى لعب دور الوسيط من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع تل أبيب، والنتيجة هي فراغ دبلوماسي يسمح لإسرائيل بمتابعة سياستها على الأرض، فيما يجد لبنان نفسه أمام استحقاق خطير: كيف يدافع عن حدوده ضمن توازنات مختلّة ودعم دولي متردد؟
إن استمرار هذا النهج يهدّد بضرب الاستقرار الهش في الجنوب. وغياب ردع دولي واضح يشجّع على مزيد من التجاوزات، ما يجعل الحاجة إلى موقف حاسم وفعّال أمراً ملحّاً قبل أن تتغيّر الخريطة الميدانية.




