افتتاحية اليوم: العبرة بتنفيذ التعهدات

يترقّب لبنان انعقاد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في الخامس من آذار المقبل في فرنسا، وسط آمال كبيرة بإحداث خرق حقيقي في ملف دعم المؤسسة العسكرية التي تقف اليوم عند تقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية. فالجيش، الذي شكّل على الدوام صمّام أمان للاستقرار الداخلي، بات يواجه تحديات غير مسبوقة تتجاوز قدراته الذاتية، في ظل تآكل الموارد وتراجع القدرة التشغيلية وازدياد الأعباء الميدانية.
لا يُنظر إلى هذا المؤتمر بوصفه محطة بروتوكولية عابرة، بل كاختبار جدي لإرادة المجتمع الدولي في الانتقال من منطق البيانات إلى منطق الأفعال. التجارب السابقة علّمت اللبنانيين أن المؤتمرات لا تُقاس بوهج عناوينها ولا بحجم التصريحات الصادرة عنها، بل بمدى التزام الدول المشاركة بتنفيذ تعهداتها ضمن جداول زمنية واضحة وآليات عملية قابلة للقياس. فكم من قرارات أُعلنت بحماسة ثم تلاشت، لتبقى حبراً على ورق في أدراج الدبلوماسية.
تأتي أهمية المؤتمر من توقيته الحساس، إذ يواجه لبنان ضغوطاً أمنية متصاعدة على حدوده وفي داخله، فيما تتضاعف مسؤوليات الجيش في حفظ الاستقرار ومنع الانزلاق نحو الفوضى. وفي المقابل، يعاني العسكريون من أوضاع معيشية صعبة تنعكس مباشرة على الجهوزية المعنوية واللوجستية، ما يجعل أي دعم فعلي حاجة ملحّة لا تحتمل التأجيل أو التسويف.
الرهان الأساسي يتمثل في نوعية الدعم المنتظر، وليس فقط في حجمه. فالدعم المستدام يتطلب رؤية متكاملة تشمل تجهيزات عسكرية حديثة، وتدريباً متقدماً، ومساعدات مباشرة لتحسين أوضاع العسكريين الاجتماعية، إضافة إلى ضمان استمرارية التمويل لا الاكتفاء بجرعات ظرفية مرتبطة بالأزمات. كما أن نجاح المؤتمر يفترض تحييد الجيش عن التجاذبات السياسية، والتعامل معه كمؤسسة وطنية جامعة تمثل مصلحة لبنان العليا.
وما تقدم يقود الى القول أن مؤتمر باريس سيكون في الربيع المقبل أمام معادلة واضحة، إما ترجمة التعهدات إلى خطوات ملموسة تعيد الاعتبار لدور الجيش وقدرته، وإما إضافة محطة جديدة إلى سجل الوعود غير المنفذة. وبين هذين الخيارين، يبقى الاستقرار اللبناني معلقاً على صدقية التنفيذ لا على بلاغة البيانات.




