أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: الصحة النفسية.. جراح لا تُرى

في الحروب، لا تُقاس الخسائر فقط بعدد الشهداء أو بحجم الدمار، بل أيضاً بما يعتمل في الداخل الإنساني من خوف وقلق وندوب صامتة. وفي ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان، يبرز ملف الصحة النفسية كأحد أكثر الملفات إلحاحاً، في وقت يشهد فيه البلد حركة نزوح غير مسبوقة ودماراً هائلاً طال المنازل والأحياء، فيما يبدو الحضور الرسمي والمجتمعي أقل من مستوى الكارثة.

لم يعد القلق حالة فردية، بل تحوّل إلى شعور جماعي يلازم اللبنانيين في يومياتهم. الخوف من التصعيد، الترقب الدائم، والأخبار المتلاحقة، كلها عوامل تُرهق النفس وتدفعها إلى حافة الانهيار. أما النازحون، فهم في قلب هذه الأزمة، إذ لا يواجهون فقط فقدان منازلهم، بل يعيشون اقتلاعاً كاملاً من بيئتهم الاجتماعية، بما يحمله ذلك من فقدان للأمان والاستقرار.

فالنزوح ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل هو انهيار لمعنى “البيت” بوصفه مساحة حماية، وحين يفقد الإنسان منزله، يفقد معه جزءاً من توازنه النفسي، ويجد نفسه في حالة دائمة من القلق وعدم اليقين. والأطفال في هكذا حال هم الأكثر هشاشة في هذه المعادلة، إذ تتجلى لديهم الصدمة في سلوكيات مضطربة وخوف مزمن قد يرافقهم لسنوات، فيما يحاول الكبار كبت آلامهم تحت ضغط المسؤوليات والنجاة اليومية.

في هذا المشهد، يفرض السؤال نفسه: أين الدولة؟ وأين المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية؟ الواقع يكشف فجوة واضحة بين حجم الحاجة ومستوى الاستجابة، فالدولة الغارقة في أزماتها لم تنجح في إدراج الصحة النفسية ضمن أولوياتها الطارئة، رغم كونها ركناً أساسياً من الصحة العامة.

فالخدمات النفسية شبه غائبة في مراكز الإيواء، ولا وجود لخطط شاملة تعالج آثار الصدمة الجماعية. أما المجتمع المدني، فرغم بعض المبادرات، فإنه يعمل بإمكانات محدودة لا توازي حجم الأزمة. في المقابل، تُركّز المنظمات الإنسانية على الإغاثة المادية من غذاء ومأوى ودواء، فيما يبقى الدعم النفسي في الهامش، كأنه ترف لا ضرورة، رغم أنه أساس قدرة الإنسان على الصمود والاستمرار.

والمشكلة أن إهمال الصحة النفسية لا يقتصر على الحاضر، بل يمتد إلى المستقبل. مجتمع مثقل بالصدمات، من دون معالجة، هو مجتمع مهدد بالهشاشة على المدى الطويل، حيث تتراكم الأزمات الفردية لتتحول إلى أزمة جماعية أعمق.

ما يحتاجه لبنان اليوم ليس فقط مساعدات عاجلة، بل رؤية متكاملة تضع الإنسان في صلب الاستجابة: فرق دعم نفسي ميدانية، مساحات آمنة للأطفال، حملات توعية، وخدمات متاحة للجميع. فإعادة بناء الحجر ممكنة، أما ترميم الإنسان فيتطلب وعياً واهتماماً لا يقلان أهمية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى