افتتاحية اليوم: الخبز والمعادلة غير المتوازنة

في خطوة تعكس تعقيدات الواقع الاقتصادي في لبنان، جاء القرار رقم 18 الصادر عن وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، ليحاول ضبط إيقاع سوق الخبز، السلعة الأكثر حساسية لدى اللبنانيين. القرار، الذي أبقى على سعر ربطة الخبز من الحجم الوسط عند 70 ألف ليرة، والصغيرة عند 45 ألف ليرة، لم يمر مرور الكرام، خصوصاً مع تضمّنه خفضاً جديداً في الوزن بمقدار 25 غراماً، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذه المعادلة بين السعر والكمية.
ظاهرياً، يبدو القرار وكأنه يراعي القدرة الشرائية للمواطن عبر تثبيت الأسعار، إلا أن الواقع يكشف جانباً آخر أكثر تعقيداً. فخفض الوزن، حتى وإن بدا طفيفاً، يراكم تأثيره تدريجياً على المستهلك، الذي يجد نفسه يدفع السعر نفسه مقابل كمية أقل، ما يعني عملياً ارتفاعاً غير مباشر في كلفة الخبز. هذا الأسلوب، وإن كان يُستخدم كحل مرحلي لتفادي رفع الأسعار بشكل صريح، إلا أنه يفاقم شعور المواطن بالضغط المعيشي، ويقوّض ثقته بالإجراءات الرسمية.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا القرار عن الضغوط التي يواجهها قطاع الأفران، في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج من طحين ومحروقات وكهرباء وأجور. هذه المعطيات تضع الدولة أمام معادلة صعبة: إما دعم الأفران بشكل مباشر، أو ترك السوق يتكيّف عبر رفع الأسعار أو خفض الكميات. ويبدو أن الخيار الأخير هو ما يتم اعتماده حالياً، ولو بشكل غير معلن.
لكن الإشكالية الأعمق تكمن في غياب رؤية مستدامة لإدارة هذا الملف. فالقرارات المتتالية التي تتناول السعر والوزن تعكس سياسة ترقيعية أكثر منها استراتيجية واضحة. وفي ظل غياب رقابة صارمة، قد يفتح الباب أمام تجاوزات إضافية في الأوزان أو الجودة، ما يزيد من الأعباء على المستهلك.
لا شك أن قرار خفض وزن ربطة الخبز يختصر أزمة أوسع يعيشها لبنان، حيث تتحول أبسط السلع إلى مؤشرات على الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وبين محاولة حماية المواطن نظرياً، وضغوط السوق عملياً، يبقى الخبز شاهداً يومياً على هشاشة التوازنات، وعلى حاجة ملحّة إلى حلول جذرية تعيد الاعتبار للأمن الغذائي، وتضع حداً لاستنزاف المواطن بصمت.



