أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: الحريري بين العاطفة والسياسة

جاء خطاب سعد الحريري في ذكرى استشهاد والده هذا العام محمّلاً بدلالات سياسية كثيفة، وإن بدا في ظاهره خطاباً وجدانياً يستحضر سيرة الرئيس الشهيد ومشروعه. الكلمات التي اختارها، والنبرة التي اعتمدها، والرسائل التي مرّرها بين السطور، كلها عكست تموضعاً مدروساً في لحظة سياسية دقيقة، من دون أن يحسم بشكل واضح مسألة خوض الانتخابات النيابية المقبلة.

حرص الحريري على إعادة تثبيت حضوره الرمزي داخل بيئته، مستنداً إلى إرث والده بوصفه مرجعية سياسية ووطنية. بدا الخطاب أقرب إلى إعادة شدّ العصب، وتذكير القاعدة الشعبية بأن “الحريرية السياسية” لم تغب عن المشهد، حتى وإن تراجعت تنظيمياً في السنوات الماضية. استعادة الخطاب السيادي ولغة الاعتدال والانفتاح حملت إشارات إلى أن الرجل لا يزال يعتبر نفسه جزءاً من المعادلة الوطنية، لا خارجها.

غير أن الامتناع عن إعلان موقف صريح من الانتخابات لم يكن تفصيلاً عابراً، فالصمت هنا بدا خياراً سياسياً بحد ذاته. فالحريري يدرك أن عودته الكاملة إلى العمل الانتخابي تعني الدخول في مواجهة مباشرة مع واقع سنّي متشظٍ، ومع قوى سياسية أعادت ترتيب أوراقها في غيابه. كما أن أي قرار بالمشاركة يتطلب حسابات دقيقة تتعلق بالتحالفات، وبالتمويل، وبالظروف الإقليمية التي لطالما أثّرت في مسار تياره.

في المقابل، ترك الباب موارباً. لم يتحدث عن مقاطعة، ولم يعلن عودة. هذا التموضع الوسطي يمنحه هامش مناورة أوسع، ويُبقي خصومه وحلفاءه على حد سواء في حالة ترقّب، فهو يختبر المزاج الشعبي، ويقيس حجم الالتفاف حوله، ويراقب التحولات في الداخل والإقليم قبل اتخاذ القرار النهائي.

اللافت أن الخطاب لم يخلُ من رسائل طمأنة إلى الخارج والداخل معاً، عبر التشديد على الاستقرار والاعتدال ورفض الانزلاق إلى الفوضى، وهي عناوين تعكس إدراكاً لحجم القلق من الفراغ في الساحة السنّية، وللحاجة إلى مرجعية قادرة على ضبط الإيقاع. لكن الحريري اختار أن يبقى في موقع الرمز الجامع، لا المرشح المتعجّل.

من هنا يمكن قراءة الخطاب كإعلان حضور سياسي من دون إعلان ترشّح. هو تثبيت للهوية واستعادة للذاكرة الجماعية، تمهيداً لاحتمال العودة من دون الالتزام بها. وبين العاطفة والسياسة، رسم الحريري معادلة دقيقة: أن يكون في المشهد بقوة، من دون أن يكشف أوراقه كاملة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى