افتتاحية اليوم: التمديد للمجلس تحت ضغط الحرب

يستعدّ مجلس النواب لعقد جلسة عامة اليوم لبحث اقتراح التمديد لنفسه لمدة سنتين، في خطوة تعود إلى الواجهة تحت عنوان “الظروف الاستثنائية” التي فرضتها الحرب الإسرائيلية على لبنان وما يرافقها من أوضاع أمنية وإنسانية معقدة.
فهناك من يعتبر التمديد ضرورة تفرضها المرحلة الحساسة، وهناك من يراه مساسًا بالديمقراطية. يتجدد النقاش حول حدود الممكن في بلد يعيش على إيقاع الأزمات المتراكمة. فالواقع الميداني في الجنوب والضاحية والبقاع يعكس حالة غير مستقرة، مع استمرار القصف العنيف وما نتج عنه من حركة نزوح غير مسبوقة، ولّدت اضطرابات في الحياة اليومية للمواطنين.
في مثل هذه الظروف، تبدو فكرة إجراء انتخابات نيابية شاملة أمرًا بالغ التعقيد، بل مستحيلًا سواء من الناحية الأمنية أو اللوجستية. فالانتخابات تحتاج إلى حدٍّ أدنى من الاستقرار لضمان حرية الاقتراع وسلامة العملية الديمقراطية، وهو ما يبدو صعب التحقق في ظل التهديدات القائمة.
من هذا المنطلق، يدافع مؤيدو التمديد عن خيارهم باعتباره إجراءً اضطراريًا، وليس خيارًا سياسيًا مريحًا. فهم يرون أن البلاد تحتاج في هذه المرحلة إلى الحفاظ على استمرارية المؤسسات الدستورية، خصوصًا السلطة التشريعية التي تضطلع بدور أساسي في مواكبة الحكومة تشريعيًا، وإقرار القوانين المرتبطة بإدارة الأزمة والحرب وإعادة الإعمار عند البدء بها.
في المقابل، يثير هذا التوجه تساؤلات سياسية ودستورية لا يمكن تجاهلها. فالتمديد للمجلس النيابي سبق أن حصل في محطات سابقة من تاريخ لبنان الحديث، وغالبًا ما كان يثير جدلًا واسعًا حول شرعيته السياسية. وكان يخشى المعارضون أن يتحول التمديد من تدبير استثنائي إلى قاعدة تُفرض كلما دخل البلد في أزمة، وهو أمر قد يضعف الثقة بالعملية الديمقراطية ويزيد من فجوة الثقة بين المواطنين والطبقة السياسية.
كما أن التمديد لا يعالج في حد ذاته جذور الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان، بل يؤجل الاستحقاق الانتخابي إلى وقت لاحق، من دون ضمان أن تكون الظروف آنذاك أكثر ملاءمة. فالتجربة اللبنانية أظهرت أن الأزمات غالبًا ما تتداخل وتطول، ما يجعل الاستثناءات تمتد لسنوات.
ومع ذلك، فإن النقاش الدائر حول التمديد لا ينفصل عن سؤال أعمق يتعلق بقدرة الدولة على إدارة مرحلة الحرب وما بعدها. فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على المؤسسات، بل أيضًا إعادة بناء الثقة العامة من خلال خطوات إصلاحية واضحة تعيد الاعتبار للدستور وللعملية الديمقراطية.
من هنا تبدو جلسة اليوم، في حال لم يطرأ ما يؤجلها، أكثر من مجرد محطة تشريعية عادية. إنها تعكس التوازن الدقيق بين ضرورات الأمن ومتطلبات الديمقراطية في بلد يقف مرة جديدة عند مفترق طرق، حيث تفرض الحرب حساباتها الثقيلة على السياسة.




