أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: اسرائيل وتصحير قرى الحافة

لم يعد ما يجري على الحدود الجنوبية للبنان مجرّد إجراءات أمنية أو تدابير وقائية كما تحاول إسرائيل تسويقه، بل بات سياسة عدوانية مكتملة الأركان تستهدف الأرض والإنسان والبيئة في آن واحد.
فعمليات رشّ المبيدات السامة على مناطق الحافة الجنوبية تمثّل شكلًا خطيرا من أشكال الحرب غير المعلنة، حيث تُستخدم المواد الكيميائية كسلاح صامت لتدمير مقومات الحياة تحت ذريعة كشف عناصر حزب الله.
هذا السلوك لا يمكن فصله عن نهج إسرائيلي قديم ـ جديد يقوم على إفراغ الأرض من أهلها بوسائل غير مباشرة. فحين تُقتل التربة، ويُقضى على الغطاء النباتي، وتُدمَّر المواسم الزراعية، يصبح البقاء في الأرض شبه مستحيل، وهنا لا تعود المسألة أمنا حدوديا، بل تتحوّل إلى عقاب جماعي ممنهج يستهدف القرى الجنوبية وسكانها، ويضرب عمقهم الاقتصادي والاجتماعي.
الخطير في هذه العمليات ليس فقط نتائجها الفورية، بل طبيعتها الممتدة زمنيا. فالمبيدات المستخدمة لا تزول آثارها سريعا، بل تُحدث تدهورا طويل الأمد في التربة، وتحوّل الأراضي الخصبة إلى مساحات يابسة غير صالحة للزراعة لسنوات طويلة، وهذا يعني أن الضرر لا يصيب موسما واحدا، بل ينسف مستقبل الزراعة ويهدد الأمن الغذائي المحلي، ويزرع الخوف الصحي في نفوس السكان نتيجة احتمالات تلوّث المياه والمنتجات الزراعية.
إن الادعاء بأن الهدف هو كشف تحركات عسكرية لا يصمد أمام حجم الدمار البيئي المتعمد، فالنتيجة الواضحة هي خلق شريط حدودي مقفر، منزوع الحياة، أشبه بمنطقة موت بيئي، تُفرض بالقوة الكيميائية لا بالجدران أو الأسلاك. إنها محاولة مكشوفة لفرض واقع جديد على الأرض، تُعاد فيه هندسة الجغرافيا بما يخدم الحسابات العسكرية الإسرائيلية، على حساب حقوق السكان اللبنانيين وأرزاقهم.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الاعتداءات يمرّ غالبا من دون ضجيج، لأن ضحاياه ليسوا مباني مدمرة أو صورا صادمة، بل أراض تموت ببطء. ومع كل يوم يمر، تتعمّق آثار هذا العدوان الصامت، فيما تُترك القرى الجنوبية لمواجهة مصير بيئي مجهول، وسط عجز واضح عن احتواء الأضرار أو معالجتها سريعًا.
إن ما يحدث جنوبا يرقى إلى مستوى جريمة بيئية مكتملة العناصر، تُضاف إلى سجل الانتهاكات المتواصلة للسيادة اللبنانية، وهو يفرض إعادة تعريف طبيعة المواجهة، إذ لم تعد الحرب تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالمبيدات والتصحير وتدمير شروط الحياة.
نختم لنقول: إن استهداف البيئة ليس تفصيلًا جانبيا في الصراع، بل خيار استراتيجي مقصود يهدف إلى كسر صمود الناس في أرضهم. وحين تتحول المبيدات إلى أداة حرب، يصبح الدفاع عن التربة والمياه والزرع معركة سيادية بامتياز، لا تقل خطورة عن أي مواجهة عسكرية مفتوحة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى