أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: أيها القيادات، أعطوا فرصةً للعقل

في ظل الأزمات المتراكمة، يصبح الخطاب السياسي مرآةً لوعي القيادات ومسؤوليتها، لا منصةً لتأجيج الغرائز وشحن الشارع. غير أن ما يشهده لبنان في الآونة الأخيرة من تصعيدٍ في اللغة السياسية، يثير مخاوف جديةً من انزلاق البلاد نحو مناخاتٍ لا تشبه إلا المراحل الأكثر قتامةً في تاريخه. خطابٌ متوتر، حاد، ومشحون بالاتهامات، يعيد إلى الأذهان صوراً لم تُمحَ بعد من ذاكرة اللبنانيين، ويهدد بإعادة إنتاج الانقسامات ذاتها التي دفعت البلاد يوماً إلى أتون الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي.

ما من شك أن اللعب على الحساسيات الطائفية والمناطقية، في ظل واقعٍ اقتصاديٍ منهار واحتقانٍ اجتماعيٍ غير مسبوق، يشكل وصفةً جاهزةً للفوضى. فالمواطن المنهك أصلاً، لم يعد يحتمل المزيد من التحريض، بل بات أكثر قابليةً للتأثر بأي خطابٍ تعبويٍ قد يدفعه إلى الشارع، حيث تختلط المطالب المعيشية بالغضب السياسي، وتضيع الحدود بين التعبير السلمي والانفلات الأمني.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج يضعف ما تبقى من هيبة الدولة ومؤسساتها، ويعزز منطق “الأمر الواقع” على حساب القانون. وعندما يشعر المواطن أن الخطاب الرسمي نفسه يغذي الانقسام، تتراجع ثقته بأي إمكانيةٍ للمعالجة، ويصبح اللجوء إلى العصبيات الضيقة خياراً بديلاً، ما يفتح الباب أمام سيناريوهاتٍ لا يمكن ضبط تداعياتها.

لكن في المقابل، لا يزال هناك هامشٌ للتحرك، بل ضرورةٌ ملحةٌ لذلك، حيث إن المطلوب اليوم، في ظل الحرب وحركة النزوح غير المسبوق، ليس فقط تهدئةً إعلاميةً عابرة، بل إعادة ضبطٍ شاملةٍ للخطاب السياسي، تنطلق من إدراكٍ حقيقيٍ لخطورة المرحلة. من هنا، على القيادات، بمختلف توجهاتها، أن تعي أن أي مكسبٍ ظرفيٍ تحققه عبر التحريض، قد يتحول سريعاً إلى خسارةٍ وطنيةٍ شاملة. فلبنان، في وضعه الحالي، لا يحتمل رفاهية المغامرات السياسية أو الاستثمار في الانقسامات.

كما أن تحركاً سريعاً من قبل الجهات الرسمية، الأمنية والسياسية، بات ضرورةً لاحتواء التوتر في المناطق، ومنع أي احتكاكٍ قد يتطور إلى مواجهات. فالتاريخ اللبناني يثبت أن الشرارة غالباً ما تكون صغيرة، لكنها سرعان ما تتحول إلى حريقٍ واسع إذا لم يتم تطويقها في الوقت المناسب.

حيال ما تقدم، فإن لبنان يقف اليوم عند مفترقٍ حساس: إما الانزلاق مجدداً نحو لغة الصراع وما تحمله من أخطار، أو استعادة منطق الدولة والحوار كخيارٍ وحيدٍ للنجاة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى