رأي

اختبار التوازنات الدولية

يونس السيد – الخليج:

يشكل التصعيد الإقليمي الدائر في المنطقة حالياً، اختباراً جدياً للتوازنات الدولية القائمة، ويطرح أسئلة كثيرة حول ما إذا كان النظام الدولي قيد التشكل يتجه لترسيخ عالم متعدد الأقطاب أو لتكريس هيمنة قطبية أحادية حتى إشعار آخر.
من دون أي شك، فإن هذا التصعيد الدائر في المنطقة، يوجه ضربة جديدة للنظام الدولي المعمول به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي يوشك على الانهيار، بعد إخفاقه، ليس فقط في حل المشكلات العالمية، وإنما في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وهما الركيزتان الأساسيتان اللتان قام عليهما. وبالتالي فإن تداعيات هذا التصعيد تتجاوز حدود الإقليم إلى الساحة العالمية، التي تشهد منافسة استراتيجية حادة يسعى كل طرف فيها إلى ترك بصمته على النظام الدولي الجديد.
واستطراداً، هناك محاولات لإحداث تغيير في التوازنات الدولية القائمة، عبر الاستفادة من الظروف الناشئة عن هذا التصعيد وتحويلها لصالحه.
ومن هذا المنطلق، تراقب روسيا والصين، على سبيل المثال، مآلات الحرب الدائرة مع إيران، على مستويين، الأول يتعلق بمصالحهما في المنطقة، وهي واسعة وعميقة، والثاني يتعلق بالصراع التنافسي مع الولايات المتحدة، من حيث كونها فرصة استراتيجية تمنحهما إمكانية مراقبة الأسلحة والتقنيات العسكرية التي تستخدمها واشنطن.
صحيح أن روسيا والصين غير منخرطتين مباشرة في هذه الحرب، إلا أن ثمة مؤشرات عديدة على أنهما تقدمان المساعدة لإيران. فمن جهة، تعد إيران واحدة من أكبر ثلاث دول مصدرة للنفط إلى الصين، ومن جهة أخرى، تراهن موسكو على أن الانشغال الأمريكي في هذه الحرب يمنحها الفرصة لمزيد من التقدم في أوكرانيا. وربما تنظر موسكو وبكين إلى أن إطالة أمد هذه الحرب قد يحمّل واشنطن زيادة كبيرة في الأعباء المالية والعسكرية، واستنزاف قدراتها على كل المستويات، وهو ما يخدم مصالحهما في إطار هذا التنافس، لكنه في الواقع قد يحمل مخاطر كثيرة إذا انزلقت المنطقة نحو الفوضى.
فما يهم بكين الآن هو إعادة الاستقرار للمنطقة والحفاظ على بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام ناقلات النفط كأولوية على ما عداها، وبالتالي فهي اعتبرت أن الحرب غير مقبولة، وما كان ينبغي لها أن تحدث، وبدأت اتصالات لخفض التصعيد وأرسلت مبعوثها الخاص إلى المنطقة.
أما موسكو التي تخشى بدورها امتداد حريق الشرق الأوسط إلى العالم، فقد اتجهت للعب دور الوسيط، وذكر أنها قدمت مقترحات لإنهاء الحرب أو خفض التصعيد، على الأقل، في إطار اتصال بين الرئيسيين بوتين وترامب، من دون الإفصاح عن هذه المقترحات.
وبالمحصلة، فإن التصعيد الجاري في الإقليم لا يمكن فصله عن الصراع الاستراتيجي العالمي، والذي يمكن في ضوئه أن يتبلور النظام العالمي الجديد، لكن السؤال يبقى مشروعاً حول مدى استعداد واشنطن للمخاطرة باستراتيجيتها الدفاعية الجديدة لاختبار التوازنات الدولية على أمل تحقيق أهداف استراتيجية لاحقاً.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى