رأي

إیران وإسرائیل وترکیا… صدام “المشاريع الكبرى”

كتب رفيق خوري في صحيفة إندبندنت عربية.

خطورة اللعب الدموي على المسرح العربي تزداد مع اشتداد الصراع بين ثلاث قوى إقليمية على ما هو أبعد من النفوذ: إيران وإسرائيل وتركيا، إیران تمارس الشد والرخي مع تركيا، وتلعب ضد أميرکا لا فقط ضد إسرائيل، وتقيم شراكات استراتيجية مع روسيا والصين، والعلاقات بين تركيا وإسرائيل حمالة أوجه، والتنافس بينهما على الأرض العربية يعلو ويهبط، ولكل منهما علاقات تحالفية مع أميركا واستراتيجية مع روسيا وتعاونية مع الصين، لكن الصراع بين القوى الإقليمية الثلاث في إطار الصراع الدولي الأكبر، يشكل خطورة على العالم العربي أشد من خطورته على الصراع وحتى الصدام بين تلك القوى، وأميرکا تحت رئاسة دونالد ترمب تتقدم على بقية القوى الإقليمية والكبرى، بحيث تبدو كأنها اللاعب الوحيد بقرار السلم والحرب.

والواقع أن الشرق الأوسط الذي شكلته الحروب بدا كأنه مختبر للصراعات، وليس بسيطاً ما شهده من أحداث منذ سقوط السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولی واتفاق “سایكس – بیكو” على تقاسم التركة السلطانية بين بريطانيا وفرنسا وإقامة دول تحت الانتداب حسب حدود “سایكس – بيكو”، ولا كان عادياً ما أعطي من استقلالات بعد الحرب العالمية الثانية وما حدث بعد الاستقلالات من ثورات وانقلابات عسكرية، لكن الحدثين الأهم والأخطر في القرن الـ20 هما قيام إسرائيل عام 1948 وسقوط الشاه وانتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 التي تمكن الإمام الخميني من الانفراد بقيادتها وتصفية الثوار من حزب “توده” الشيوعي وحزب “مجاهدي خلق” وبقية قادة الحركة الوطنية من أيام رئيس الوزراء الإصلاحي محمد مصدق. إسرائيل لا تزال بلا حدود مرسومة على رغم قبولها في عضوية الأمم المتحدة ومن معاهدات السلام و”اتفاقات أبراهام” مع دول عربية عدة، وهي لا تزال تمارس مبدأ بن غوريون القائل: “حدود الدولة حيث يصل الجيش”، ولم تتأخر في توسيع الأرض التي اغتصبتها بمزيد من الحروب، ولا سيما في حرب 1967 ثم حرب 1973، واليوم في “حرب الإسناد” لغزة التي شنها “حزب الله” کما في مرحلة ما بعد سقوط الأسد في سوريا.
أما إیران فإنها فعلت ما لم تفعله أية قوة في المنطقة، وهي إقامة فصائل مسلحة أيديولوجية مذهبية في العراق وسوريا ولبنان ودعم الحوثيين في اليمن و”حماس” و”الجهاد الإسلامي” في غزة، التي تعمل كأذرع للجمهورية الإسلامية تدافع عنها وتشكل خط الحماية الأول لها. وبكلام آخر فإن إيران مارست “احتلال” الشعب بالوكالة من دون احتلال الأرض.

 وأما تركيا فإنها كانت تنظر إلى الغرب منذ تأسيس الجمهورية والنظام العلماني على يد كمال أتاتورك، وكان في العالم العربي من يبكي على السلطنة في مواجهة الوطنيين الذين قادوا الثورات للتخلص من الاحتلال العثماني وبعضهم دفع الثمن على أعواد المشانق في بيروت ودمشق على يد جمال باشا السفاح.

لم تكن آثار العداء والتنافس بين الإمبراطورية الفارسية والسلطنة العثمانية قد زالت تماماً، ولا كان التوجه التركي نحو الشرق إلا بعد وصول حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي بقيادة رجب طيب أردوغان إلى السلطة. كانت البداية تبني أردوغان نظرية أحمد داوود أوغلو عن “العثمانية الجديدة” وضرورة أن تنتقل تركيا من دور “الجسر” إلى دور “المركز”، ثم جاء التطبيق على الأرض: قواعد عسكرية ترکية في العراق لمحاربة حزب العمال الكردستاني المتمركز في جبال قنديل، تدخل عسكري تركي في أحداث ليبيا وفوضى ما بعد نظام القذافي، هيمنة على سوريا بعد سقوط نظام الأسد وقیام سلطة “هيئة تحرير الشام” التي ساندتها أنقرة منذ كانت في محافظة إدلب، والبحث عن حصة في النفط والغاز شرق المتوسط ​​ودور في ما سماه الرئيس أردوغان “الوطن الأزرق”، ولا يزال الطموح قوياً إلى حلب والموصل.

وهكذا بدا المسرح العربي موقع صراع بين مشروع “إسرائیل الكبرى” ومشروع “إيران الكبرى”، ومشروع “العثمانية الجديدة” والطموح إلی “ترکیا العظمی”، والتطور البارز منذ حرب غزة ولبنان وإيران وسقوط الأسد هو انحسار المشروع الإقليمي الإيراني بعدما كان في قمة امتداده عشية عملية “طوفان الأقصى”، فضلاً عن ضرب الأذرع الإيرانية المسلحة في العالم العربي وإضعافها وإخراجها من موقع الدفاع المتقدم عن جمهورية الملالي، أما مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يعمل له نتنياهو بعد قادة سبقوه من أيام بن غوريون، فإن من الصعب أن يعيش على حساب قيام دولة فلسطينية، وضم الضفة الغربية ضد إرادة ترمب، وأثقاله على التحرك الأميركي نحو سلام في الشرق الأوسط.

وفي كل الأحوال فإن صدام المشاريع الإقليمية ليس ضماناً للنجاح الكامل عبر إضعاف قوة وتقوية أخرى ومسايرة ثالثة، والتطور الجديد هو تصاعد دور اللاعب العربي القادر، لا فقط على إخراج اللعبة من المسرح العربي، بل أيضاً على توسيع دوره في لعبة أهم هي صناعة المستقبل والتوجه نحو التنمية والمصالح المتبادلة بدل صراع المصالح والعقائد، والسياسة تحتاج إلى أفكار جديدة في الربع الثاني من القرن الـ21.

ولا مهرب في أي صدام مما سماه هيغل “مكر التاريخ”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى