رأي

إيران تمثّل نقطة تحوّل لتحرّر أوروبا من دونالد ترامب

تمثّل أزمة “الشرق الأوسط” أحدث خطوة في مسار تحرّر أوروبا من واشنطن بعد صدمة ما اعتُبر خيانة أميركية لأوكرانيا وتهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند.

ناتالي توتشي – صحيفة “الغارديان” البريطانية:

تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تشبه “الاستغاثة الكاذبة” تفقد تأثيرها، فيما بدأ القادة الأوروبيون، أخيرًا، بالانتقال من التملّق إلى المعارضة.

تمثّل أزمة “الشرق الأوسط” أحدث خطوة مؤلمة في مسار تحرّر أوروبا من واشنطن بعد صدمة ما اعتُبر خيانة أميركية لأوكرانيا وتهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند.

في البداية، كاد معظم السياسيين الأوروبيين في السلطة يباركون الهجوم الأميركي والإسرائيلي غير القانوني على إيران. وإذا كان الأمين العام لحلف “الناتو” يمثّل أحد طرفي الطيف الأوروبي، ورئيس الوزراء الإسباني الطرف الآخر، فإن غالبية الحكومات الأوروبية كانت عمليًا أقرب إلى تبنّي موقف روتّه الداعم لترامب منها إلى معارضة سانشيز المبدئية.

لقد دفعهم السعي إلى تهدئة عبر الأطلسي بعد أزمة غرينلاند، إلى جانب عدائهم للنظام الإيراني – بسبب تحالفه مع روسيا و”قمعه الداخلي” – إلى الوقوع في وهم ترامب. فانساقوا وراء فكرة أن “حيلة فنزويلا”، يمكن تكرارها في طهران.

لكن مع تصاعد الحرب في “الشرق الأوسط”، تغيّر الموقف الأوروبي. بالنسبة إلى معظم القادة الأوروبيين، صراحة أو ضمنًا، انتقل ترامب من “الأب” (وفق توصيف روتّه) إلى “الشرير” (كما يراه سانشيز). وقد اتخذ هذا التراجع عن دعم الحرب التي أطلقها ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي أشكالًا متعددة:

رفضت إيطاليا السماح للطائرات الحربية الأميركية باستخدام قاعدة في صقلية، وامتنعت بولندا عن إرسال أنظمة “باتريوت” إلى “الشرق الأوسط” بسبب التهديد الروسي المستمر، كما رفضت فرنسا منح حقوق التحليق وعارضت مشروع قرار أميركي في مجلس الأمن يدين إغلاق إيران لمضيق هرمز ويدعو إلى فتحه بالقوة.

وترى فرنسا، مثل غيرها من الدول الأوروبية، أن إعادة فتح هذا الممر الاستراتيجي لا يمكن أن تتم إلا عبر الدبلوماسية وبالتنسيق مع طهران. أما إسبانيا، التي كانت قد حظرت مبكرًا استخدام قواعدها المشتركة مع الولايات المتحدة في هذه الحرب، فلم تعد تبدو استثناءً، بل أصبح موقف سانشيز متقاطعًا مع مواقف نظرائه الأوروبيين.

تفسّر عدة عوامل هذا التحوّل، فقد دعمت بعض الحكومات الأوروبية الحرب بلا رؤية بعيدة معتقدة أنها ستحقق مكاسب استراتيجية سريعة، لكنها أدركت الآن حجم خطئها، خصوصًا من حيث الفوائد التي جنتها روسيا عبر ارتفاع أسعار النفط واستنزاف أنظمة الدفاع الجوي المخصصة لأوكرانيا.

كما قامت واشنطن مؤقتًا بتخفيف القيود عن النفط الروسي، ودرست تحويل أسلحة كانت مخصصة لحلفاء أوروبيين إلى منطقة الخليج. حتى الآن، كانت الحرب في “الشرق الأوسط” مكسبًا لموسكو وكارثة لكييف، كما تهدّد باندلاع أزمة اقتصادية جديدة في أوروبا، هي الثالثة خلال خمس سنوات بعد جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا. وقد أدرك القادة الأوروبيون، بالطريقة الصعبة، أن تآكل القانون الدولي – كما يحدث الآن – يضر بالعالم، بما في ذلك أوروبا.

سمع الأوروبيون، مثل غيرهم، تصريحات ترامب المتزايدة اضطرابًا: تهديداته بارتكاب جرائم حرب في إيران، إهاناته للقادة الأوروبيين، ودعواته للتخلي عن “الناتو”، لكن تهديداته المتكررة فقدت تأثيرها؛ إذ بدأ الأوروبيون يعتادونها ويشعرون بالملل منها.

حتى قادة أقصى اليمين بدأوا بالنأي بأنفسهم عنه – ليس بالضرورة لأنهم تخلّوا عن رؤيته، بل لأن القرب منه يؤثر سلبًا في شعبيتهم. يظهر ذلك في إيطاليا مع جورجيا ميلوني، وكذلك في ألمانيا وفرنسا، حيث عبّرت أحزاب اليمين عن مواقف ناقدة. وحده رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان ما زال متمسكًا بترامب، وإن كانت الانتخابات ستكشف ما إذا كان هذا الدعم أصبح عبئًا عليه أيضًا.

ومع بدء أوروبا في الابتعاد عن ترامب، قد تجد صوتها أيضًا، فقد نشأ الدور الدبلوماسي الأوروبي في الملف النووي الإيراني في أوائل الألفية من معارضتها لحرب العراق، وقد يتكرر السيناريو نفسه اليوم، عبر معارضة الحرب والدفع نحو إنهائها بشكل دائم، بما يفتح المجال لمبادرة متعددة الأطراف.

المقترح الذي تقدّمت به مجموعة من الدول الأوروبية والخليجية والآسيوية لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز كان في البداية يهدف إلى استرضاء ترامب، ثم دعمت أوروبا ممرًا أمميًا لتصدير الأسمدة لمنع أزمة غذاء عالمية. كما تقود المملكة المتحدة تحالفًا من أكثر من 40 دولة لإعادة فتح المضيق، بالتنسيق مع إيران، وربما يشمل ذلك ترتيبات تتعلق بصادرات النفط الإيرانية ونظام رسوم إقليمي لتمويل إعادة الإعمار.

وإذا نجح فتح هرمز بشكل مستدام، فقد يمهّد ذلك لاتفاق نووي جديد، واتفاقات عدم اعتداء بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك بين “إسرائيل” وإيران، بما في ذلك لبنان. وقد يشمل أيضًا الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة لإعادة الإعمار ورفعًا انتقائيًا للعقوبات.

في هذه الأثناء، أدرك الأوروبيون أن تمسّكهم بالتعددية والقانون الدولي لم يكن مجرد مثالية، بل كان نابعاً من مصالح واقعية أيضًا. ومع هذا الإدراك، ينبغي لهم التحرك – بالتعاون مع شركائهم في الخليج وآسيا – لإنهاء هذه الحرب غير القانونية والأحادية، التي ليست حربهم، بشكل نهائي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى