أبرزشؤون لبنانية

إفتتاحية اليوم: الانتخابات – إرجاء… أم إجراء؟

يقف لبنان مجدداً أمام مفترق دقيق مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، في ظل انقسام سياسي حاد، وخوف من تداعيات أي حرب إقليمية عليه.
والسؤال الذي يتردد في الكواليس، كما في العلن: هل يمضي البلد نحو إجراء الاستحقاق في موعده، أم يتجه إلى إرجائه تحت وطأة التعقيدات الأمنية والسياسية؟

من حيث المبدأ، يشكّل إجراء الانتخابات في موعدها اختباراً لانتظام الحياة الدستورية، ورسالة إلى الداخل والخارج بأن المؤسسات لا تزال قادرة على إنتاج السلطة. فالبرلمان الحالي، أياً تكن التوازنات داخله، يمثّل ركناً أساسياً في النظام السياسي، وتأجيل انتخاب مجلس جديد يفتح الباب أمام مزيد من الاهتزاز في الثقة الشعبية، ويعمّق الإحباط لدى فئات واسعة ترى في صناديق الاقتراع المتنفّس الأخير للتعبير والتغيير.

في المقابل، يطرح أنصار التأجيل جملة اعتبارات، أبرزها الوضع الأمني المتقلّب في الجنوب، والضغوط الاقتصادية التي ترهق الإدارة العامة، فضلاً عن الخشية من تدنّي نسب المشاركة نتيجة فقدان الثقة وتشتّت القوى المعارضة. ويذهب بعضهم إلى القول إن إجراء انتخابات في ظل استقطاب حاد قد يعيد إنتاج الانقسام نفسه، من دون أن يفضي إلى أكثرية واضحة قادرة على إدارة المرحلة المقبلة.

غير أن التجربة اللبنانية تُظهر أن التمديد غالباً ما يكون مدخلاً لمزيد من التعقيد. فالسوابق السابقة تركت ندوباً سياسية ودستورية، وأضعفت صورة الدولة كمرجعية تحترم مواعيدها. كما أن أي تأجيل، ولو تحت عناوين تقنية أو أمنية، سيُقرأ على أنه عجز عن تحمّل مسؤولية الاستحقاق، وربما كخشية من نتائج غير مضمونة.

على المستوى السياسي، تبدو الساحة مفتوحة على احتمالات عدة. قوى في السلطة تسعى إلى الحفاظ على مواقعها في ظل تبدّل المزاج الشعبي، فيما تحاول قوى أخرى توحيد صفوفها لتفادي تكرار أخطاء المرحلة الماضية. أما القوى التقليدية، فتخوض معركة تثبيت الحضور وإعادة ترتيب التحالفات، في ضوء تحوّلات إقليمية تنعكس مباشرة على الداخل اللبناني.

يبقى أن الرهان الأساسي لا يقتصر على إجراء الانتخابات بحد ذاته، بل على قدرتها على إنتاج توازنات تتيح انطلاق مسار إصلاحي فعلي. فاللبنانيون لا يبحثون فقط عن تجديد وجوه، بل عن سياسات مختلفة تعالج الانهيار المالي، وتعيد بناء مؤسسات الدولة، وتحصّن الاستقرار.

وبين الإرجاء والإجراء، تبدو الكفّة الدستورية راجحة لمصلحة التمديد للمجلس، وهو ما ترغب به بعض الدول المؤثرة، مثل واشنطن وباريس، ومعهما دول عربية أخرى، خشية بقاء المشهد السياسي الموجود حالياً على حاله. علماً أن احترام موعد إجراء هذا الاستحقاق، مهما كانت نتائجه، يظل أقل كلفة من التمديد.

من هنا، فإن مرحلة انتظار مصير انتخابات أيار لن تطول، وأنه قبل حلول الربيع تكون الصورة قد اتضحت.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى