رأي

أي ضمانات تحتاجها مصر في غزة؟

كتب د. جيرار ديب في صحيفة العرب.

مصر عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بالضمانات الأميركية أو مواجهة الضغوط التي قد تعيد تشكيل موقعها بالكامل في المشهد الإقليمي.

في لحظة إقليمية معقدة تتشابك فيها الأوراق وتتعاظم فيها الحسابات، تبدو القاهرة كأنها تمشي على خطّ رفيع بين مطالب الداخل وضغوط الخارج، وهي تعيد رسم معادلتها تجاه ما يجري في غزة.

موقف مصر، كما أُعلن مؤخّرًا، يرفض أي مشاركة ميدانية قبل مشاورات شاملة مع جميع الأطراف، بما يراعي الأمن القومي المصري ودورها التاريخي كوسيط عربي موثوق.

هذا التأكيد لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل محاولة لتثبيت أن دور القاهرة لا يمكن اختزاله في تفاهمات ثنائية أو ضغط إسرائيلي يسعى لفرض وقائع تتجاوز حقوق الفلسطينيين.

ولذلك رفضت مصر أن تتحوّل مشاركتها إلى أداة لتغيير التوازنات على الأرض، متمسّكة بوقف إطلاق النار، ومسار سياسي جدي، وضمانات لإعادة الإعمار، بعيدًا عن أي هيمنة خارجية.

في الشكل، تُظهر القاهرة اهتمامًا واضحًا بمصير الفلسطينيين، لاسيما في غزة، وتصرّ على أن القضية الفلسطينية ما زالت إحدى أولويات الدولة المصرية، رغم أن دورها الإقليمي شهد فترات من الانكفاء منذ اتفاق كامب ديفيد عام 1978.

مع كل ما يحيط بها من أزمات، تجد مصر نفسها أمام سؤال مصيري: كيف تضمن استمرار دورها الإقليمي في ظل تعنت إسرائيل وتمسّكها بفرض الترحيل القسري؟

وقد ظهر هذا الاهتمام جليًا في موقف مصر الرافض لمشروع الترحيل القسري لغزّاويين إلى سيناء، ما اضطر الجيش المصري إلى تعزيز انتشاره هناك، في خطوة أثارت حساسية لدى إسرائيل.

لكن بين تأكيدات القاهرة وقلقها، تكمن الإشكالية الحقيقية. فالمتابع يدرك أن الضمانات التي تطلبها مصر لا تتوقف عند حدود غزة وحدها، بل تتصل مباشرة بمصالحها القومية، بحرًا وبرًا. فالدولة المصرية تشعر بأن حضورها العربي والإقليمي بات على المحك، خصوصًا مع الصعود المتسارع للدور السعودي في السنوات الأخيرة، والذي ازداد وضوحًا بعد الزيارة التاريخية لولي العهد محمد بن سلمان إلى واشنطن، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي زيارة حملت إشارات بليغة حول تغيّر موازين القوى في المنطقة.

وليس خافيًا أن المملكة فرضت نفسها لاعبًا محوريًا في القضايا العربية، معزِّزة حضورها العسكري باتفاق نووي مع باكستان، إلى جانب صفقة الطائرات الشبحية أف 35، التي كانت حكرًا على إسرائيل لسنوات طويلة.

هذا الصعود، بطبيعة الحال، يأتي على حساب الدور المصري، الذي يجد نفسه اليوم مهدّدًا بأن يتحوّل من فاعل إقليمي مؤثر إلى طرف يطالب فقط بضمانات لحماية بعض مصالحه.

ولعلّ إدراك القاهرة لهذه المعادلة هو ما دفعها نحو توسيع العلاقة مع تركيا، بعدما فشل رهانها على روسيا والصين في تجاوز النفوذ الأميركي الذي يعيد صياغة توازن القوى في الشرق الأوسط على أساس ثنائية إسرائيل – السعودية.

ولأن الضغوط الإسرائيلية في ملف غزة باتت مباشرة، فإن القاهرة تحتاج إلى ضمانات من واشنطن تحمي مصالحها، خصوصًا مع إصرار الجانب الإسرائيلي على طرح الترحيل القسري كخيار. فقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واضحًا بقوله إن معبر رفح لن يُفتح لإدخال المساعدات، بل لإخراج الفلسطينيين. وهو تصريح وضع مصر أمام اختبار وجودي يمسّ خطوطها الحمراء.

وفي ظل هذه التعقيدات تشعر القاهرة بأن الأزمات التي تطوقها لم تعد قابلة للاحتواء بقدراتها الذاتية. فمن جهة، تواجه ضغوطًا اقتصادية ومالية داخلية تمس استقرارها، ومن جهة أخرى تراقب محاولات أميركية لتحجيم دورها أو إعادة ضبط إيقاعه.

وهو ما ظهر مؤخرًا في موقف مفاجئ لوكالة الطاقة الذرية، المدعوم أميركيًا، الذي أبطل اتفاق القاهرة الموقع مع إيران في سبتمبر الماضي، بعد أن طالب مجلس المحافظين طهران بالتعاون الفوري مع الوكالة.

القاهرة تحتاج إلى ضمانات من واشنطن تحمي مصالحها، خصوصًا مع إصرار الجانب الإسرائيلي على طرح الترحيل القسري كخيار

وعلى حدودها الجنوبية تواجه مصر تهديدًا مباشرًا من الحرب الدائرة في السودان، حيث تتقدم قوات الدعم السريع على حساب الجيش السوداني المدعوم مصريًا.

لذلك ترى القاهرة أن استقرار حدودها مع السودان ضرورة قومية، وبدأت تكثف اتصالاتها مع الأطراف المؤثرة في تلك الحرب محاولةً خفض التصعيد.

وفي الشرق تقف أزمة سد النهضة ككابوس دائم لمصر. فافتتاح إثيوبيا للسد في سبتمبر الماضي بعد 14 عامًا من البناء زاد التوترات مع القاهرة، التي تتخوف من غياب التنسيق بشأن تدفقات المياه وتأثيرها المباشر على الأمن المائي المصري. هذا الملف وحده كفيل بإشعال أزمة إقليمية كبرى لولا محاولات الاحتواء المستمرة.

أما في البحر الأحمر فقد دفعت الحرب وتدخل الحوثيين، تحت عنوان دعم غزة، إلى فرض قيود على السفن المتجهة إلى إسرائيل.

هذه الخطوة أصابت قناة السويس بالشلل الجزئي، متسبّبة في خسائر مالية قُدّرت بأكثر من 9 مليارات دولار خلال سنتين، قبل أن تعود الحركة إلى التعافي الجزئي مع الهدنة في غزة، كما صرّح رئيس هيئة القناة أسامة ربيع في أكتوبر الماضي.

ومع كل ما يحيط بها من أزمات، تجد مصر نفسها أمام سؤال مصيري: كيف تضمن استمرار دورها الإقليمي في ظل تعنت إسرائيل وتمسّكها بفرض الترحيل القسري؟ وهل تملك القاهرة رفاهية الخيارات بين فتح معبر رفح وفق الإملاءات الإسرائيلية، أو مواجهة عودة الحرب بكل ما تحمله من تهديدات اقتصادية وأمنية؟

بين هذه السيناريوهات القاتمة، تبقى مصر عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بالضمانات الأميركية التي تبعد عنها شبح حرب جديدة، أو الاستمرار في مواجهة الضغوط التي قد تعيد تشكيل موقعها بالكامل في المشهد الإقليمي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى