أوروبّا وحديث ما بعد ميونيخ

كتب إميل أمين, في العربية:
اختَتمَ مؤتمرُ ميونيخ للأمن أعمالَه نهار الأحد الماضي، بعد ثلاثة أيّام من اللقاءات العلنيّة والسرّيّة، وأحاديث وخطابات حول مآلات النظام العالميّ، وما إذا كنّا نعيش لحظة تحوّلٍ مفصليّة في الوقت الراهن، ونمضي نحو عالم جديد، أم أنّ زمن الوحوش المتوسّط لمرحلتَيْن تاريخيَّتَيْن بحسب وصف غرامشي، سيطول به المقام بين جنباتنا.
تبدو الأسئلةُ التي طرحتْ ذاتها على موائد النقاش مهمّةً بالفعل، غير أنّ أهمَّها بالنسبة للأوروبيّين، وربّما بالنسبة لنا في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربيّ، موصول بشأن العلاقات الأميركيّة الأوروبّيّة، وهل انتهى زمن التحالف العضويّ الذي استمر لمدّة ثمانية عقود، منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية وحتى اليوم، أم أنّ هناك أملًا في أن يتمَّ تجسير الهوَّة بين الجانبَيْن، ومن ثمَّ الحفاظ على وحدة الأطلسيّ، وترميم ما أصاب روح حلف الناتو من ندوب؟
يمكن القطع بأنّ نقاشات ميونيخ بالنسبة للأوروبّيّين أظهرتْ مخاوف جمّة من أن تصحو القارة ذات نهارٍ لتجد نفسها بمفردها في مواجهة طموحات القيصر بوتين، أو هكذا يروّج أنصار ظاهرة “الروسفوبيا” أي التخويف وربّما التهويل من نوايا فلاديمير بوتين، لا سِيّما بعد ما فعله في أوكرانيا منذ أربعة أعوام.
من هنا عَلَتْ وتعلو أصواتٌ بأنّه حان الوقت لبلورة أوروبا قويّة مستقلّة، اقتصاديًّا وعسكريًّا، وحتى لا تضحي نهبًا للآخرين من حولها.
لعلّ الأمر الأوّل والأكثر إلحاحًا على الأوروبّيّين هذه الأيّام هو: “ماذا يمكن لأوروبّا أن تفعل إذا فوجئت ذات مرّة بقيام واشنطن بسحب صواريخها النوويّة التي تشكّل في واقع الأمر المظلّة الكبرى لحماية أوروبا من صواريخ القيصر الباليستيّة، لا سيّما المحدّثة منها، ذات الطبيعة الشيطانيّة من عينة “الصاروخ سارامات” بنوع خاصّ؟
قدّم رئيس وزراء البرتغال السابق “مانويل باروسو “، والرئيس السابق للمفوّضيّة الأوروبيّة رؤيةً تبدو أنّها واقعيّة بصورةٍ كبيرة، فقد حثَّ قادةُ المانيا وفرنسا على الاجتماع وحلّ خلافاتهم”… ماذا يعني ذلك؟
بصيغة أكثر وضوحًا، ألمانيا ترى في المظلّة النوويّة الفرنسيّة، غطاءً جيّدًا لعموم أوروبّا، إذا انسحب الأميركيّون نوويًّا.
لكنّ الحقيقةَ المؤلمة، هي أنّه وبعد ثمانين عامًا من نهاية الحرب العالميّة الثانية، لم تطمئن فرنسا بعدُ لألمانيا، وهناك خشيةٌ قويّة من أن يستيقظ الماردُ الألمانيّ عسكريًّا مرّةً جديدة، وساعتها يمكن للتاريخ أن يكرّر نفسه بصورة أو بأخرى.
والشاهد أنّه قبل أن تنطلق أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن ببضعة أيّام، نشرتْ المجموعةُ الأوروبّيّة للدراسات النوويّة، وهي مبادرةٌ أوروبّيّة مشتركة بقيادة مؤتمر ميونيخ للأمن، تأسّستْ عام 2024، تقريرًا يدعو إلى اتّخاذ إجراءات عاجلة للحفاظ على الردع النوويّ في أوروبّا، وحمل عنوان “سدّ فجوة الردع”.
يقدم التقرير خمسة خياراتٍ نوويّة محتملة أمام أوروبّا لردع روسيا، ومواجهة تقويض الرئيس الاميركيّ ترمب لالتزام الولايات المُتّحدة الأمنيّ تجاه أوروبا.
يصف مُعِدّو التقرير جميعَ الخيارات النوويّة المتاحة لأوروبّا بأنّها “خيارات سيّئة” لا سيّما أنّها تتراوح بين الاستمرار في الاعتماد على الردع النوويّ الأميركيّ الموسّع، وتعزيز دور القوّات النوويّة الفرنسيّة والبريطانيّة، وتطوير ردع أوروبّيّ مشترك، والسعي إلى تطوير وسائل ردع نوويّة وطنيّة جديدة ومستقلّة، وصولًا إلى الاستثمار في الردع التقليديّ دون عنصر نوويّ.
التقرير المشار إليه يذكّرنا بالدعوات الصريحة والواضحة التي أطلقها الرئيسُ الفرنسيّ إيمانويل ماكرون قبل عدّة أعوام، حين دعا صراحةً إلى بلورة قوّة أوروبّيّة، ربما لا تكون بديلًا بالمطلق عن الناتو، لكنّها على الأقلّ تقي الأوروبّيّين شرّ التغيّرات الإستراتيجيّة التي تنتاب الحلفاء بين وقتٍ وآخر.
حديث ماكرون وقتها، أعاد إلى الإذهان إصرار الجنرال ديجول، مؤسّس الجمهوريّة الفرنسيّة الخامسة، بأن تظلّ القوّة النوويّة الفرنسيّة، خارج سياقات حلف الأطلسيّ، وأن يكون قرارها فرنسيًّا بالمطلق، وقد كانت حجّته أنّ الأميركيّين لن يدافعوا عن باريس وبرلين، وغيرهما من العواصم الأوروبّيّة حال تعرّضها لضرباتٍ نوويّة سوفيتيّة، انطلاقًا من حقيقةٍ مفادها أنّ القيادة الأميركيّة لا ترغب في قصفاتٍ صاروخِيّة باليستيّة لكلٍّ من واشنطن ونيويورك.
صرخاتٌ أو صيحات ميونيخ الأوروبّيّة، لم تتوقّف فقط عند حدود العسكرة بحالٍ من الأحوال، بل تمركزتْ كذلك حول التعاون الاقتصاديّ والاستثمار، ويبدو أنّ سيد الإليزيه لم ينس ما قاله الإمبراطور نابليون بونابرت من أنّ “الجيوش تمشي على بطونها”، وكذلك الشعوب، ما يعيدينا إلى دائرة الاقتصاد من جديد.
بدت الروح الفرنسيّة تسري في عموم الجسد الأوروبيّ، ولقيَتْ دعوة الرئيس ماكرون تجاوبًا كبيرًا لجهة تعزيز الاستثمار في القطاعات الإستراتيجية الحيوية للاقتصاد الأوروبّيّ، وإلّا فإنها ستخاطر بأن “تُجرف” في مواجهة ما أسماه “المنافسة من الولايات المتحدة والصين”. ماكرون دعا إلى تبسيط وتعميق السوق الموحّدة للاتّحاد الأوروبي وإلى تنويع الشراكات التجاريّة قائلًا: “هناك تهديدات وترهيب. ثم فجأة تتراجع واشنطن. ونعتقد أنّ الأمر انتهى. لكن لا تصدّقوا ذلك للحظة. كلّ يوم هناك تهديدات ضدّ شركات الأدوية والتكنولوجيا الرقميّة، وعندما يكون هناك عدوانٌ صارخ يجب ألّا نستسلم أو نحاول التوصّل إلى تسوية”.
ولعلّ ما لم يقلْ علنًا في قاعات ميونيخ وعبر المناقشات، هو أنّ الأوروبيين لديهم خشيةٌ كبيرة من أن تصل الولايات المُتّحدة والصين إلى اتّفاقيّات تجارية، يمكن أن تضيف المزيد من الأعباء على بقية العالم، ومعنى ذلك أن تستيقظ أوروبا لتجد نفسها بين المطرقة الأميركية والسندان الصينيّ.
على أنّ الموضوعيّة تقتضي الإشارة إلى أن كلمة وزير الخارجية ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ، حاولت تخفيف حدة الأزمة بين جانبي الأطلسي، ورغم تأكيده على أن النظام العالمي القديم القائم على قواعد ما بعد الحرب الكونية الثانية يكاد يضمحلّ، وأن هناك حاجة ماسة لنظام معولم جديد، إلا أنّه شدَّدَ كذلك على عمق الصلات والصفات، بين أوروبا وأميركا، على الأقل من جانب الإرث الثقافي الليبرالي الذي يجمع القارتين الجارتين.
وفي كل الأحوال، قد يكون من المبكر بحالٍ من الأحوال الجزم بمصير الناتو، وعلاقات الأطلسيّ، والتي لن تنهار بين عشية وضحاها.
غير أن المؤكد هو أن الأوروبيين باتوا يتساءلون عن فرصة الأوراسيا التي ضيعوها، وتعني باختصار غير مُخِلّ، التواصل مع القارة الآسيويّة عامة، والروسية خاصة، وهل كانت التبعية المطلقة لواشنطن، لا سيما بعد انهيار حائط برلين، أمرًا إيجابيًّا، أم عملًا خاطئًا، تجاوزته طبيعة العالم المتغير، وسياسات النخبة الأميركية الحاكمة.
قبل تفشي جائحة كوفيد 19 ، كادت الكثير من الدول الأوروبية أن تدخل في شراكات عضويّة مع الصين، وإيطاليا خير مثال، غير أن الارتباك الصيني وعدم الشفافية دعتا الكثير من الأوروبيين للتراجع، واليوم هناك من يعيد قراءة المشهد من جديد.
لماذا المشهد الاوروبي – الأميركي مهم لنا في العالم العربي ؟
أولًا، علينا أن نتذكر أن أوربا لا يفصلهاعن العالم العربي سوى “البحر الكبير” كما عرفه المؤرخون العرب، أي المتوسط، وهناك علاقات تاريخية بين الجانبين.
ثانيًا، ومن باب التواصل الإيجابي المعولم، وليس الغزل على المتناقضات، تبدو أوروبا وكأنها تعيد رسم مدارات ونسج مسارات لحلفاء وأصدقاء جدد، مع ما يعنيه هذا من تواصل اقتصاديّ واستثمارات وشراكات على أصعدة مختلفة تصبّ جميعها في خانة التعاون المطلوب والمرغوب للطرفين.
هل من خلاصة؟
أوروبا تستيقظ على حقائق الجغرافيا السياسية البازغة مع نهايات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، حيث القديم يموت والجديد يكافح لكي يولد.




