رأي

أوروبا.. وخطر تفكك «الأطلسي»

د. محمد السعيد إدريس

الخطاب الذي ألقاه المستشار الألماني فريدريش ميرتس يوم الجمعة الماضي في «مؤتمر ميونيخ للأمن»، الذي تحول هذا العام إلى «منصة» لإبراز الخلافات الأمريكية – الأوروبية المتصاعدة، حمل إشارات ألمانية إيجابية ضمن هذا المسار الخلافي.
فقد اختار ميرتس نبرة تصالحية لمخاطبة الولايات المتحدة، رغم اعترافه بوجود خلافات بين الطرفين، ودعا إلى «شراكة جديدة» بين الولايات المتحدة وأوروبا، وإلى ترميم الثقة بين الطرفين، على العكس من مواقف أطراف أوروبية أخرى، خاصة فرنسا التي تتزعم الدعوة إلى استقلال أوروبا الأمني عن الولايات المتحدة، وتأسيس «هوية أمنية أوروبية» مستقلة، رداً على تصريحات وتأكيدات وردت على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة للدفاع عن أوروبا.
ميرتس في إشارته الخلافية تلك مع فرنسا أشار إلى أنه «يتفهم لماذا قد يشعر البعض بعدم الراحة من حالة العلاقات حالياً مع الولايات المتحدة»، وبأنه «يتشارك» معهم الشعور وبعض مخاوفهم، لكنه أضاف أن الدعوات لتخطي العلاقة مع الولايات المتحدة «غير واقعية».
مثل هذه الرؤى الألمانية تتصادم أوروبياً مع الشركاء الأساسيين في حلف شمال الأطلسي، خاصة فرنسا وبريطانيا وكندا، وهي الدول الثلاث التي اتجهت إلى تقوية علاقاتها مع الصين، وبادرت اثنتان منها (فرنسا وكندا) بفتح قنصليات لها في غرينلاند، في خطوة تحد كبيرة لإصرار الرئيس الأمريكي على الاستيلاء على هذه الجزيرة. هذه الدول تتمرد على الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، لكن يبقى السؤال المهم، هو: هل تستطيع هذه الدول، ومعها باقي دول حلف شمال الأطلسي أن تفك ارتباطها بهذا الحلف، وهل تستطيع أن تعيش بمعزل عن «مظلة الحماية العسكرية الأمريكية»؟
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر دعا في زيارته «التاريخية» للصين إلى «شراكة شاملة» بين البلدين، خصوصاً في «الأوقات الصعبة التي يمر بها العالم». وقبل أسبوع من هذه الزيارة كان ستارمر ندد بما وصفه ب«التصريحات المهينة» للرئيس الأمريكي بشأن قوات حلف شمال الأطلسي التي قاتلت في أفغانستان بتجنب خطوط المواجهة، معتبراً أن ما قاله ترامب «يستوجب اعتذاراً». أما رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الذي كان قد انتقد سياسات ترامب بشدة أمام مؤتمر دافوس (20/1/2026)، وأعلن أن «النظام الدولي القائم على القواعد قد مات»، ودعا الدول متوسطة القوة إلى صياغة مسار جماعي جديد يقوم على ما سماه «الواقعية القيمية»، أي المزج بين الواقعية السياسية والتمسك بالقيم، فقد كان حريصاً على أن ينفي بشدة ما ورد على لسان وزير الخزانة الأمريكي «سكوت بيسنت» أنه، أي كارني قد تراجع بشدة عما اعتبره «تصريحات مؤسفة» أمام قمة دافوس.
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يتزعم تيار التمرد الأوروبي ويدعو إلى التوحد الاستراتيجي الأوروبي، وإلى «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية»، فمواقفه لا ترضي ألمانيا.
هذه الخلافات الأوروبية تؤكد الحقيقة المرّة التي تقول إن أوروبا ليست عاجزة فقط عن امتلاك «استراتيجية أمنية مستقلة»، بل إنها عاجزة أيضاً عن التوحد في الموقف من السياسات الأمريكية الجديدة، لكن هذا لا يعني أن حلف شمال الأطلسي لن يواجه خطر التفكك، لسبب رئيسي هو أن مسار تفكيك الحلف، إن حدث، سيكون «مساراً أمريكياً»، على ضوء المواقف الأمريكية الجديدة، وبالأخص مواقف الرئيس ترامب الذي وجه أعنف انتقادات للدول الأوروبية وقادتها، عندما وصفها بأنها «مجموعة دول متداعية.. يقودها أشخاص ضعفاء».
هذا التقييم شديد السلبية للقادة الأوروبيين مع رفض معظمهم لعزم ترامب الاستيلاء على «جزيرة غرينلاند» وقراره معاقبة ثمانية منهم لدعمهم غرينلاند عسكرياً، يستلزم التساؤل عن: هل توجد جدوى من الرسالة التي أراد المستشار الألماني توصيلها للرئيس ترامب وإدارته، أم أن تأثيرها لن يتجاوز تعميق فجوة عدم الثقة بين ألمانيا وشركائها الأوروبيين وإغراء ترامب بالمزيد من التجاوزات بحق حلفائه الأوروبيين؟ من هنا تتحدد معالم المأزق الأوروبي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى