رأي

أوروبا.. والوساطة الصينية في أوكرانيا

كتب د. عمرو منصور, في الخليج:

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين الأربعاء الماضي للقاء الرئيس شي جين بينغ في زيارة وإن بدت أنها محملة بملفات اقتصادية تثقل كاهل الفرنسيين والأوروبيين في شراكتهم مع الشريك الصيني، لكن يظل الحدث السياسي الأبرز على طاولة المباحثات هو مناقشة مستقبل الأزمة الأوكرانية مع دخولها مرحلة الحسم.
ما بين مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب والمشاورات بشأنها بين كييف وداعميها الأوروبيين من جهة، وتصاعد المواجهة الميدانية لكسب المزيد من الأراضي وفرض واقع جديد قبل الجلوس على مائدة التفاوض من جهة أخرى، تهيمن قناعة لدى أطراف الأزمة أن أمد الحرب بات أقصر من أي وقت مضى، وأن ما يشغل بال الجميع هو ترتيب كيفية إنهائها وليس إنهاءها في حد ذاته.
في هذا السياق، نقل ماكرون خلال نقاشه المطول مع نظيره الصيني بشأن الحرب في أوكرانيا مطالبة الاتحاد الأوروبي بمساعدة الصين في وقف إطلاق النار، وهي الدعوة التي قوبلت بتأكيد شي على مواصلة بلاده دعم جميع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام، وأنها ستواصل الاضطلاع بدور بنّاء في التسوية السياسية للأزمة.
الدعوة الفرنسية الأوروبية لبكين وإن كانت تأتي مطابقة من حيث الشكل للمطالب التي نادى بها في وقت سابق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وكذلك الرئيس دونالد ترامب خلال مباحثاته الأخيرة مع الرئيس الصيني، إلا أن المطالب الأوروبية تبدو مخالفة من حيث الدوافع، فالاتحاد الأوروبي الذي يعاني في تمرير موقفه إلى موسكو بشأن وقف إطلاق النار، يتفق قادته على قدرة الصين أن تكون قناة اتصال فاعلة بين الجانبين في ضوء تمسكها بسياسة الحياد طوال نحو أربع سنوات منذ اندلاع الحرب، وما يربطها من تعاون تجاري واقتصادي متنامٍ مع الجانب الروسي، ما يجعل بكين مؤهلة لتمرير الموقف الأوروبي إلى الرئيس فلاديمير بوتين وربما التدخل في مرحلة ما لإقناعه بتخفيف حدة مواقفه تلبيةً لمتطلبات الاستراتيجية الصينية لتوسيع شبكة شراكاتها الاقتصادية الأوراسية وتنويع ممراتها.
في المقابل، لا تجد بكين غضاضة في نقل الرؤى الأوروبية إلى موسكو في ظل الأزمة التي يواجهها القادة الأوروبيون جراء تباين وجهات النظر مع الرئيس الأمريكي بشأن التصورات الأمنية والسياسية لإنهاء الحرب، ومن ثم ترحب القيادة الصينية بالمشاركة في أي جهود وساطة طالما لم يطالبها الاتحاد الأوروبي بممارسة أي ضغوط حادة على روسيا، وذلك إيماناً من بكين بأن الحرب مهما طالت ستنتهي، وأن أولويتها هي الحفاظ على التوازن في علاقاتها مع الأطراف كافة، وتفهّم مخاوفهم الأمنية وحساباتهم الاستراتيجية. في حين، من المتوقع أن تبدي روسيا تقديراً لجهود وساطة الصديق الصيني أكثر من استجابتها للأطروحات الأوروبية، وربما ترى في الوساطة الصينية مساراً موازياً للمسار الأمريكي وفرصة لتقديم عروض للجانب الأوروبي تزيد من خلافه مع إدارة ترامب، ما يضعف من تماسك صف كييف وحلفائها.
بروكسل تدرك أن الريبة هي اليقين الوحيد في علاقاتها مع موسكو بعدما تدهورت العلاقات إلى مناقشة فرضيات المواجهة المباشرة، لكنها تتمسك ببصيص من الأمل قد يتسرب عبر بوابة الوساطة الصينية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى