رأي

أوروبا واستحقاقات 2026

كتب علي قباجة, في الخليج:

تدخل أوروبا عام 2026 محملة بتحديات عدة تضعها أمام مرحلة شديدة الحساسية، إذ تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والجيوستراتيجية بصورة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، فالقارة تبدو بحاجة إلى مراجعة عميقة لأسس سياساتها وطبيعة تحالفاتها، لا سيما علاقتها بالولايات المتحدة التي ظلّت لعقود تُشكّل الضمانة الأولى لأمنها. ورغم أن هذه العلاقة لا تزال ركيزة يصعب الاستغناء عنها، فإن التحولات المتسارعة داخل الإدارة الأمريكية، وتقلّب المزاج السياسي الأمريكي، يجعلان الأوروبيين أكثر حذراً في التعويل المطلق على الحليف التقليدي، ومن هنا تتبلور توجهات داخل الاتحاد الأوروبي لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، وتطوير بنية أمنية أكثر استقلالاً، مع الحرص على إبقاء الشراكة عبر الأطلسي إطاراً أساسياً لا يمكن التفريط فيه.
وفي قلب هذا المشهد، يظل الملف الأوكراني العامل الأكثر تأثيراً في صياغة السياسات الأوروبية، فبالنسبة لدول الاتحاد، لم يعد دعم كييف موقفاً تضامنياً، بل ضرورة استراتيجية، لتجنب اختلال ميزان القوى شرق القارة وما قد يترتب عليه من مخاطر أمنية. غير أن استمرار الحرب وغياب أي مؤشرات قريبة على الحل، إضافة إلى ارتفاع كلفة الدعم العسكري والمالي، كلها عوامل تدفع نحو نقاش داخلي أعمق حول قدرة أوروبا على مواصلة هذا النهج لفترة طويلة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فتواجه أوروبا عاماً يحمل مزيجاً معقداً من الضغوط، فمعدلات التضخم لا تزال تشكّل تحدياً رغم محاولات احتواء الأسعار، في حين يعاني النمو تباطؤاً ملحوظاً نتيجة عوامل داخلية وأخرى مرتبطة بالتوترات الدولية، ومع أن القارة تسعى إلى تعزيز استقلالها في مجال الطاقة والتحول التدريجي نحو المصادر المتجددة، فإن هذا المسار يتطلب استثمارات هائلة وبنى تحتية متقدمة، ما يفرض على الحكومات التفكير بعناية في كيفية توزيع الكلفة، وتجنب انعكاسات اجتماعية قد تؤدي إلى اضطرابات سياسية.
ولا يقل ملف الهجرة تعقيداً عن بقية التحديات، إذ تستمر هذه القضية في صناعة الانقسام داخل المجتمع الأوروبي، فمع الحاجة المتزايدة إلى قوى عاملة جديدة لمعالجة الشيخوخة السكانية، تبقى الهواجس الأمنية والثقافية والسياسية حاضرة بقوة، ما يؤدي إلى تفاوت واضح في مواقف الدول حيال سياسات الاستقبال وإجراءات الاندماج. وتتداخل هذه القضية مع تأثيرات تغيّر المناخ، الذي بدأ يفرض واقعاً جديداً على القطاعات الزراعية والصناعية، ويهدد الموارد الطبيعية في بعض المناطق.
وأمام هذه التحديات المتشابكة، تدخل أوروبا عام 2026 وهي بحاجة إلى قدر كبير من الحكمة السياسية، والقدرة على اتخاذ قرارات جماعية شجاعة، فالمستقبل القريب سيحدد ما إذا كانت القارة قادرة على الحفاظ على تماسكها ودورها الدولي، أم أنها ستواجه مرحلة جديدة من الاختبارات التي قد تعيد رسم ملامحها السياسية والاقتصادية لسنوات طويلة قادمة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى