رأي

أميركا لم تعد حليفا موثوقا بعد اليوم … وهذا أمر مقلق

كتب روبرت فوكس في صحيفة إندبندنت.

حين أدلى كير ستارمر هذا الشهر، من داونينغ ستريت، بتصريحه المجلجل عن الوقوف إلى جانب سيادة غرينلاند والدنمارك، رُفع الردع النووي البريطاني بوصفه رمز قوة بريطانيا العسكرية واستقلالها.

كان يجدر به أن يستحضر قصة ذات دلالة من زيارة قام بها مراسلو شؤون الدفاع إلى قاعدة فاسلين البحرية للغواصات النووية في اسكتلندا قبل بضعة عقود – قصة باتت اليوم أقرب إلى الأسطورة المتداولة. فقد دُعي الصحافيون للاطلاع على مرافق جديدة خلال التحديث من صواريخ “بولاريس” إلى “بوسيدون”. وطُلب منهم الانتظار داخل مكتب جانبي، فلفتت انتباههم ملصقات تظهر صواريخ مزينة بملصقات “هيرتز” لتأجير السيارات – وهي شركة أميركية كانت تؤجر سيارات لكل من يُنقل للعمل هناك. وعندما سألوا عن الأمر، رد عليهم أحد الجنود بنبرة ساخرة، وبما معناه، إن ذلك “مناسب” ما دامت “تقريباً كل منظومة الصواريخ الآن مستعارة ومستأجرة من الولايات المتحدة”.

تسرب الخبر بسرعة – ربما عبر محطات البث المحلية. وبحلول وقت عاد خلاله الصحافيون المخضرمون في الشؤون الدفاعية إلى مقرهم داخل لندن، صار “نظام الصواريخ المستأجر من هيرتز” سؤالاً طارئاً، وتبادلت الأطراف كلمات حادة في وستمنستر.

آنذاك، كما اليوم، كانت أجزاء واسعة من دفاع المملكة المتحدة – أنظمته ومعداته – مرهونة للأميركيين. ومع زيارة ستارمر للصين هذا الأسبوع ضمن زيارة دولة رفيعة المستوى، فإن ما يُقلق المؤسسة الدفاعية ليس بكين بقدر ما هو علاقتنا بأقرب حلفائنا، إذ تعتمد القوات المسلحة البريطانية بفروعها الثلاثة، على نحو أو بآخر، على الولايات المتحدة. كما أن البرامج العسكرية الكبرى لا يمكن تنفيذها أو استمرارها من دون موافقة ودعم أميركيين، وهما أمران باتا غير مضمونين على نحو لافت.

ومن دون هذا الدعم، تكاد قدرة بريطانيا على الدفاع عن أراضي الجزر البريطانية بحراً وجواً تكون معدومة. وإذا اضطرت المملكة المتحدة إلى التحرك منفردة، فلن تملك عملياً ما يكفي لرد أي اختراق من الجو أو البحر – سواء بطائرات مسيرة، أو عبر تخريب تحت الماء، أو بغواصات، أو بهجمات تستهدف شل شبكات الاتصالات الحيوية وإمدادات الطاقة والوقود. وفي أية لحظة، لا تمتلك بريطانيا مخزوناً غذائياً يكفي أكثر من 10 أيام، في حال قُطعت عنها الإمدادات بالكامل.

ربما كانت مقاتلة F-35 لايتنينغ 2 العاملة لدى سلاح الجو الملكي البريطاني والبحرية الملكية أوضح مثال على الكيفية التي يمكن أن تنهار بها المنظومة من دون الأميركيين. فهي باهظة الكلفة، وهي، في نسخة F-35B تحديداً، محدودة المدى والحمولة. وتعتمد هذه الطائرات على الولايات المتحدة في الصيانة بعيدة الأمد وفي التحديثات. وعلى رغم أن المملكة المتحدة تعد شريكاً من “المستوى الأول”، وتتحمل مسؤولية 14 في المئة من تصنيع الطائرة، فإن القوات البريطانية لا تحصل على كامل طيف القدرات المتقدمة التي تزود بها النسخ الأميركية.

ثم هناك مشكلة أخرى – ومدهشة إلى حد يصعب تصديقه. فالعقدة المركزية للبرمجيات وأنظمة الرادار تقع في الولايات المتحدة. فعندما تعرضت طائرة F-35 تابعة للبحرية الملكية لعطل ميكانيكي أثناء مناورة في المحيط الهندي واضطرت إلى تحويل مسارها نحو ولاية كيرالا في الهند، عدت الطائرة معزولة في بلد قد يكون “معادياً”. فتم – تلقائياً – مسح أنظمتها. واستغرق الأمر أسابيع حتى يصل مهندسو برمجيات أميركيون لإعادة تشغيلها واستعادتها.

وتقول القيادة الأميركية إنها تحتفظ بما يشبه “مفتاح قتل/تعطيل” لبرمجيات ورادارات هذه الطائرات، ليس فقط لطائرات “لايتنينغ”، بل أيضاً لطائرات “يوروفايتر تايفون” التابعة لسلاح الجو الملكي – مع أن هذا الادعاء محل خلاف داخل أروقة الحكومة البريطانية.

أما المشكلة الأعمق التي تواجه قوات الدفاع البريطانية – وكذلك سياستها الخارجية – هي غياب ردع تقليدي موثوق. فالحلفاء الأوروبيون يفترضون أن تشكل بريطانيا، إلى جانب ألمانيا وفرنسا، قيادة أوروبا الثلاثية (E3) عبر “الناتو” والاتحاد الأوروبي. لكن الواقع اليوم أن بريطانيا أقل صدقية عسكرياً من كليهما. عقود من الإهمال أفرغت القوات من مضمونها: نقص في الأفراد، وشح في التمويل، وقدرات مستنزفة. أما الجيش البريطاني فلا يمتلك من العتاد – ومعظمه متقادم – إلا ما يكفي لقوة تقارب 20 ألفاً، لا لـ72 ألفاً هم عدد العسكريين الموجودين حالياً تحت السلاح.

والاتكال على منظومة “ترايدنت” باعتبارها عماد الردع النووي – وهو ما طرحه ستارمر ضمن خطابه من مقر الحكومة بوصفه مصدر قوة – يقيد الاستراتيجية ويشلها، فهي تلتهم نحو ثلث موازنة التشغيل الدفاعي في المملكة المتحدة، وتستنزف موارد تحتاج بإلحاح لتطوير مجالات المستقبل: الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية التشغيل. أما مخصصات هذه المجالات في المراجعة الدفاعية الأخيرة فتكاد لا تذكر.

لا بد إذاً من مخرج. أحد الخيارات أن توضع الأنظمة النووية في إطار مشترك واحد مع فرنسا، إلى جانب شركاء أوروبيين آخرين مهتمين مثل هولندا وألمانيا وإيطاليا.

لقد مضى على عقيدة الردع النووي نحو 80 عاماً، وتحولت مع الزمن إلى مسلمة جامدة تهيمن على التفكير الدفاعي، على حساب الاستجابة الجدية لمجالات الحرب الجديدة. فالتركيز المفرط على الردع النووي بات يعوق الاستثمار في ميادين حاسمة مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية التشغيل على الأرض وفي الفضاء، والحوسبة الكمومية. وعلى رغم أن هذه التحولات لم تعد افتراضية، فإن مراجعة الدفاع لا ترصد للذكاء الاصطناعي سوى 200 مليون جنيه استرليني كموازنة تجريبية.

ربما قدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب – بتباهيه الأجوف وفظاظته المجانية – خدمة غير مقصودة لبريطانيا وأوروبا. فقد فرض سلوكه لحظة مواجهة مع النفس. علينا أن نفكر بجدية في صلابتنا، واستراتيجيتنا، ودفاعنا – بريطانياً وأوروبياً على السواء. ويجب أن يكون هذا التفكير رصيناً وواقعياً، لأن النظرة “الترمبية” لدور أميركا في العالم متقلبة ومفرطة في المبالغة. لا شيء ينبغي أن يستبعد – بما في ذلك تقليص الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة وإعادة تقييم الاتكال على الردع النووي الأنغلو-أميركي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى