رأي

أميركا العظيمة أم مجرد وعود؟ تقييم أول عام من ولاية ترامب

كتب د. جيرار ديب في صحيفة العرب.

بعيدًا عن الرؤية العالمية، يتضح أن ترامب يسعى لإعادة رفع شعبيته، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي

كتب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عبر منصته “تروث سوشال” يوم الثلاثاء 16 ديسمبر، مخاطبًا الأميركيين “كان العام جيد جدًا للولايات المتحدة”، وأضاف “الأفضل لم يأت بعد”.

كلمات تسبق خطاب الأمة الذي ألقاه يوم الأربعاء 17 ديسمبر، والذي اتسم بالهجوم على إدارة الرئيس الأسبق جو بايدن، محملاً إياها المسؤولية عن الأعباء الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

خطاب لم يخلو من وعود إنمائية، لا سيما على الصعيدين السكني والصحي، لكن يبقى السؤال: من أين سيأتي التمويل لتحقيق هذه السياسات خلال عام واحد كما وعد شعبه؟.

عرض ترامب أمام الأميركيين سلسلة من الإنجازات التي وضعها البعض في خانة الأساطير الأميركية، تلك التي رافقت شخصيات خيالية في الوعي الجماعي للولايات المتحدة.

وأكد الرئيس أنه أعاد للبلاد هيبتها على الساحة الدولية، مذكّرًا بإنهائه ثمانية حروب، ومستعرضًا ما حققه من خلال رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، خصوصًا من الصين والهند والدول الأوروبية.

لا يمكن إنكار أن السنة الأولى من الولاية الحالية كانت الأكثر إثارة، نتيجة الكم الهائل من القرارات التنفيذية التي اتخذها ترامب، والتي ألحقت ارتباكًا بالساحتين الداخلية والخارجية.

كثير من القضايا التي أثارها لم تصل إلى خواتيمها؛ فالهدنة التي رعاها بين كمبوديا وتايلاند انهارت، كما أن خطته الخاصة بقطاع غزة لا تزال عالقة في مرحلتها الأولى.

نجح ترامب في تحويل المستحيل إلى قضايا نقاشية، بدءًا من نيته ضم شبه جزيرة غريلاند، ووصولاً إلى فرض حصار بحري وجوي على فنزويلا، مرورًا بالقضايا المحلية مثل محاربة الهجرة الشرعية وغير الشرعية.

ولم يتردد الرئيس في استخدام موضوع الرسوم الجمركية لتعزيز إيرادات البلاد، وهو ما انعكس في مؤتمر “بوسان” بكوريا الجنوبية، حيث أعلنت الصين استيراد نحو 12 مليون طن متري من فول الصويا بعد قطيعة طويلة بسبب التوترات بين البلدين.

لكن “فول صويا” والمناورات الجمركية وتخفيض ميزانية الدعم العسكري الخارجي، كما في أوكرانيا، قد لا تكفي للوصول إلى موازنة متوازنة تتيح تخفيض نسبة الدين العالمي الذي تخطى 35 تريليون دولار، وتمويل سياسات ضخمة في ظل ارتفاع مستوى المعيشة والتضخم المالي.

وعند النظر إلى تطورات المنطقة وربطها بحلم “أميركا العظيمة” الذي يسعى ترامب لتحقيقه، نجد رابطًا رئيسيًا يتجلى في ما نشره الإعلام الأميركي والإسرائيلي حول المناطق الاقتصادية المرتبطة بسياسات ترامب.

كثير من القضايا التي أثارها ترامب لم تصل إلى خواتيمها؛ فالهدنة التي رعاها بين كمبوديا وتايلاند انهارت، كما أن خطته الخاصة بقطاع غزة لا تزال عالقة في مرحلتها الأولى.

ترامب يكرر شعاره: “الأفضل لم يأت بعد”، لكن التساؤل: هل سيصل هذا الأفضل إلى الأميركيين كما وعد؟ أم سيذهب لمن يسعى لتراجع الدور الأميركي على الساحة الدولية، ليجد نفسه أمام قوى مثل الصين وروسيا، التي تعمل على إعادة ترتيب النظام العالمي الجديد ضمن إطار متعدد الأقطاب بعيدًا عن الهيمنة الأميركية؟

وبعيدًا عن الرؤية العالمية، يتضح أن ترامب يسعى لإعادة رفع شعبيته، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي المزمع إجراؤها في أكتوبر المقبل، بعد أن تراجعت شعبيته بسبب قضايا عديدة أثارها.

ويشير استطلاع حديث أجرته “رويترز” و”إيبسوس” إلى انخفاض نسبة تأييد ترامب إلى 39 في المئة، نتيجة لقلة رضا ناخبي حزبه الجمهوري عن أدائه الاقتصادي.

سباق مع الزمن هو الواقع الحالي لإدارة ترامب، الذي وضع لنفسه مدة عام واحد لتنفيذ صدمات إيجابية على الصعيد الاقتصادي.

ومن هنا، طُرحت جميع الاقتراحات في البيت الأبيض، ومنها تسريع إنشاء مناطق اقتصادية “ترامبية”، تحاكي مصادر التمويل الرئيسية لسياساته قبل الانتخابات المقبلة.

وأسرع وسيلة لتحقيق التمويل المطلوب هي مصادر الطاقة، وأيسر الطرق للوصول إليها هي الاستثمار في الحروب الإقليمية لإسرائيل بقيادة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، تحت مسمى إقامة مناطق عازلة ومجردة من السلاح في قطاع غزة وجنوب لبنان.

ولعل الصدفة ليست موجودة فيما يتعلق بارتفاع أسهم شركة النفط الأميركية “شيفرون”، التي عادت للظهور بعد انسحابها من مناقصة لبنان عام 2017، بالتزامن مع إعلان نتنياهو الموافقة على اتفاق الغاز الطبيعي مع مصر، ضمن أكبر مشروع في حقل ليفياثان، بمشاركة شيفرون الأميركية.

إسم “شيفرون” أصبح محور التركيز في الجنوب اللبناني، ليحل مكان شركة توتال الفرنسية، التي يبدو أنها خرجت من المنافسة.

وعند العودة إلى شعار ترامب الانتخابي “أحفر يا عزيزي أحفر”، تتجلى الصورة بشكل واضح، ويتضح الإصرار الأميركي على السيطرة عبر التهديدات والاحتكار، في انتظار استثمار ثروات لبنان النفطية التي قد تصبح، وفق رؤية ترامب، الأفضل التي طال انتظارها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى