رأي

أفريقيا في لعبة الصين وأميركا: اصطفاف هادئ بقواعد تجارية

نوفر رمول – العرب:

القارة أمام إعادة اصطفاف هادئة لا تعني اختيار معسكر واحد بل بناء محفظة متنوعة من الشراكات وتحويل التنافس الدولي إلى رافعة تفاوضية تعزز القيمة المضافة داخليًا.

في بداية السنة الثانية من ولايته الثانية، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد “قانون النمو والفرص لأفريقيا” (AGOA) حتى نهاية عام 2026. القانون، الذي يوفر منذ عام 2000 إعفاءات جمركية لأكثر من 1800 منتج أفريقي يدخل السوق الأميركية، شكّل طوال ربع قرن حجر الزاوية في السياسة التجارية الأميركية تجاه القارة. غير أن التمديد جاء لسنة واحدة فقط، وبأثر رجعي بعد انتهاء صلاحية البرنامج في سبتمبر 2025، ما أدخل المصدرين والمستثمرين في حالة عدم يقين، رغم أن مجلس النواب كان قد صوّت لصالح تمديد ثلاث سنوات، لكن النسخة النهائية اقتصرت على عام واحد، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن لا ترغب في تقديم التزام طويل الأمد غير مشروط.

جاء ذلك في وقت كانت فيه إدارة ترامب قد فرضت في أبريل 2025 تعريفات جمركية على 22 دولة أفريقية بنسب تراوحت بين 10 في المئة و30 في المئة. جنوب أفريقيا، أكبر اقتصاد صناعي في القارة، واجهت تعريفة بنسبة 30 في المئة على صادراتها، ونيجيريا 15 في المئة. هذه التعريفات أفرغت برنامج AGOA عمليًا من جزء كبير من محتواه بالنسبة لعدد من الدول، وكشفت عن تحول في المقاربة الأميركية تجاه القارة؛ فلم تعد الإعفاءات التفضيلية التزامًا مستقرًا، بل أداة تفاوض تُمنح وتُعاد صياغتها تبعًا لأولويات واشنطن.

تحول المنافسة من القروض إلى قواعد التجارة يفتح أمام أفريقيا نافذة فرصة، غير أن هذه النافذة ليست دائمة؛ فالمسألة لم تعد من يموّل الجسر التالي، بل من يضع قواعد المرور عليه

الرد الصيني جاء سريعًا، ففي 14 فبراير 2026 أعلن الرئيس شي جين بينغ إلغاء الرسوم الجمركية بالكامل على واردات الصين من 53 دولة أفريقية، باستثناء إيسواتيني، على أن يبدأ التطبيق في مايو. جاء القرار في سياق تعهدات منتدى التعاون الصيني–الأفريقي الذي انعقد في بكين عام 2024، حيث التزمت الصين بتقديم أكثر من 50 مليار دولار دعمًا ماليًا للقارة على مدى ثلاث سنوات. العرض الصيني بدا أكثر استقرارًا واتساعًا من التمديد الأميركي القصير، وعزز صورة بكين كشريك تجاري أول لأفريقيا.

غير أن التنافس لا يُختزل في الإعفاءات الجمركية؛ فالتحرك الأميركي الأعمق يتموضع في ملف المعادن الحيوية عبر مسارين متوازيين: الأول من خلال دعم “ممر لوبيتو”، الذي يربط حزام النحاس في الكونغو الديمقراطية وزامبيا بميناء أنغولي على المحيط الأطلسي، بما يعيد رسم مسارات تصدير المعادن بعيدًا عن الشبكات اللوجستية التي ترسخت خلال العقدين الماضيين. والثاني هو إطلاق “بروجكت فولت” في مطلع 2026 بقيمة 12 مليار دولار لتكوين مخزون استراتيجي من المعادن النادرة، تحسبًا لأي اضطراب في سلاسل الإمداد.

لكن اللافت هو ربط أهلية بعض الدول في برنامج AGOA بمدى انفتاح قطاعات التعدين أمام الشركات الأميركية، وبالتالي أصبحت المعادلة أوضح: استمرار النفاذ التفضيلي إلى السوق الأميركية يقابله فتح أوسع للمناجم وعقود الاستخراج والمعالجة أمام الاستثمار الأميركي.

أفريقيا تحتضن ما يقارب 30 في المئة من احتياطيات العالم من المعادن الحيوية. الكونغو الديمقراطية تنتج أكثر من 70 في المئة من الكوبالت العالمي، وزامبيا لاعب رئيسي في النحاس، وجنوب القارة يملك احتياطيات كبيرة من الليثيوم والمنغنيز والبلاتين. هذه المعادن تدخل في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة وأشباه الموصلات. وفي سياق التحول الطاقي والرقمي، فإن التحكم في مصادر هذه المواد يعني التحكم في إيقاع سلاسل الإنتاج المستقبلية.

الصين انتبهت إلى أهمية هذه الحلقة مبكرًا، وتموضعت عبر تراكم طويل. فبين عامي 2000 و2023 قدّم المقرضون الصينيون أكثر من 182 مليار دولار في صورة قروض لـ49 دولة أفريقية، موّلت طرقًا وسككًا حديدية وموانئ ومناطق صناعية ارتبط كثير منها بمناطق استخراج الموارد الطبيعية. هذا التموضع المبكر منح بكين أفضلية في الوصول إلى المناجم وسلاسل الإمداد المرتبطة بها، قبل أن يتحول ملف المعادن الحيوية إلى أولوية مركزية في الإستراتيجية الأميركية.

التحدي الحقيقي يتمثل في مدى قدرة الدول الأفريقية على بناء مؤسسات قوية واستراتيجيات صناعية تضمن احتفاظ القارة بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل حدودها

حجم التبادل التجاري الصيني–الأفريقي بلغ 348 مليار دولار في 2025، مقابل نحو 100 مليار دولار فقط بين الولايات المتحدة وأفريقيا، ما يجعل الصين الشريك التجاري الأول لـ52 دولة أفريقية، رغم أن العجز التجاري للقارة معها تجاوز 100 مليار دولار.

على مستوى الكتل الاقتصادية، يبقى الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري إجمالًا بحجم تبادل يقارب 355 مليار يورو، ويحتفظ بمخزون استثمارات مباشرة يمنحه نفوذًا مؤسسيًا طويل الأمد. ثم تأتي الإمارات رابعًا ضمن كبار المستثمرين العالميين في أفريقيا، بعدما أصبحت أكبر مستثمر في المشاريع الجديدة داخل القارة بتعهدات تجاوزت 110 مليارات دولار بين 2019 و2023، خصوصًا في الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية.

وسط هذا التعدد في اللاعبين، يتبدل موقع أفريقيا تدريجيًا. فالتجارة البينية الأفريقية بلغت 208 مليارات دولار في 2024 بنمو يقارب 8 في المئة، مدفوعة بمنطقة التجارة الحرة القارية. دول مثل الكونغو الديمقراطية وزيمبابوي بدأت تفرض قيودًا على تصدير المعادن الخام غير المعالجة، في محاولة لفرض تصنيع محلي يضيف قيمة قبل التصدير. مثل هذه الخطوات تعكس إدراكًا بأن التحكم في المنجم لا يكفي إذا لم يقترن بالتحكم في جزء من عملية المعالجة.

القارة اليوم أمام إعادة اصطفاف هادئة لا تعني اختيار معسكر على حساب آخر، بل توسيع هامش المناورة وبناء محفظة متنوعة من الشراكات وفق منطق المصالح. فحتى وإن بدا وكأن واشنطن وبكين تخوضان لعبة شطرنج طويلة، فإن رقعة اللعب لم تعد حكرًا عليهما. الصين تقدم البنية التحتية والأسواق المفتوحة، وأميركا تقدم التكنولوجيا والوصول إلى رؤوس الأموال، وأوروبا تقدم المعايير والاستثمار طويل الأمد، فيما تتسع خريطة الفاعلين. لكن التحدي الحقيقي يتمثل في مدى قدرة الدول الأفريقية على تحويل هذا التنافس إلى رافعة تفاوضية، وبناء مؤسسات قوية واستراتيجيات صناعية تضمن احتفاظ القارة بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل حدودها.

تحول المنافسة من القروض إلى قواعد التجارة يفتح أمام أفريقيا نافذة فرصة، غير أن هذه النافذة ليست دائمة؛ فالمسألة لم تعد من يموّل الجسر التالي، بل من يضع قواعد المرور عليه.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى