أزمة الضمانات الأمنية الأوروبية لأوكرانيا

كتب د. صلاح الغول, في الخليج:
تُشكل الضمانات الأمنية لأوكرانيا معضلة استراتيجية أمام وقف الحرب الروسية-الأوكرانية التي دخلت عامها الرابع، وأزمة حقيقية تعوق التوصل إلى أية تسوية سياسية محتملة لها. كما أنها، في نفس الوقت، مفتاح ذلك كله. ولم تُسفر المفاوضات الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا عبر وساطة أمريكية، أو لقاء ترامب-زيلينسكي، في 18 أغسطس/ آب الجاري، وما أعقبه من اجتماعات رفيعة المستوى بين عددٍ من القادة الأوروبيين والرئيس ترامب في البيت الأبيض عن تحقيق أي تقدم جوهري بخصوص الضمانات الأمنية المحتملة لأوكرانيا.
ورغم إشارة المبعوث الأمريكي الخاص، ستيف ويتكوف، في مقابلة مع شبكة CNN، في 17 أغسطس، إلى توافق روسي-أمريكي على ضمانات أمنية «أوروبية-أمريكية» قوية لأوكرانيا، جاءت تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في 24 أغسطس، بخصوص إنشاء آلية دولية توفر هذه الضمانات تشمل الولايات المتحدة وأوروبا والصين، لتؤكد أنّ هذه المسألة لا تزال قضية خلافية بصفة أساسية. وقد أعلن الرئيس زيلينسكي معارضته لإشراك بكين في الضمانات الأمنية المقترحة احتجاجاً على الدعم الصيني لروسيا طوال الحرب.
وقد دعم القادة الأوروبيين (وعلى رأسهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين) بالإضافة إلى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو» مارك روته، الرئيس الأوكراني في زيارته إلى واشنطن في 18 أغسطس، مؤكدين للرئيس ترامب ضرورة تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا. ومنذ زيارتهم للولايات المتحدة، عُقدت سلسلة من الاجتماعات بين الدول الأوروبية، بالمشاركة مع مسؤولين من حلف الناتو، ركزت في جانبٍ كبيرٍ منها على طبيعة الضمانات الأمنية الأوروبية لأوكرانيا. وفي 25 أغسطس، صرّح الرئيس ترامب أنه لم يناقش (مع حلفائه الأوروبيين وأوكرانيا) ضمانات أمنية معينة، لكنه أكد أن بلاده ستدعمها.
ويبدو أنّ مسألة الضمانات الأمنية لكييف تقف وراء تعثر عقد القمة الثلاثية المرتقبة بين بوتين وزيلينسكي وترامب، التي كان يُنظر إليها على أنها ستيسر السبيل إلى التوافق على «صفقة» أو اتفاقية للتسوية السياسية بين البلدين. ويدعم الأوروبيون مطالب أوكرانيا بشأن الضمانات الأمنية، لأنّ هذه الضمانات لا تخصها وحدها بقدر ما تتعلق بالأمن الأوروبي كله. وفي هذا الصدد، تم طرح عدة بدائل للضمانات الأمنية الأوروبية. ويتمثل البديل الأول في نشر قوات حفظ سلام أوروبية في أوكرانيا لمراقبة التزام الطرفين المتحاربين بعد وقف إطلاق النار. وبرغم أن هذا البديل هو الأقرب إلى منظومة الأمم المتحدة، فهو لا يتناسب مع ما يتطلع إليه الأوكرانيون من قوة ردع أوروبية تحول دون مهاجمة بلادهم مجدداً من قبل الروس، ويصطدم برفضٍ روسي لنشر أي قوات أوروبية في أوكرانيا. أما البديل الثاني، فيتلخص في إرسال مئات أو آلاف من المدربين والمستشارين لتدريب الجنود الأوكرانيين، ومساعدتهم على تشغيل المعدات الغربية المتخصصة، وتحديث الهياكل العسكرية الأوكرانية التي مازالت تتابع النمط السوفييتي ومواءمتها مع معايير وإجراءات حلف الناتو. ومشكلة هذا البديل أنّ المدربين والمستشارين لن يشكلوا ردعاً فعالاً، أو يضمنون عدم شن روسيا هجوماً جديداً على أوكرانيا.
أما البديل الثالث، فيذهب أصحابه إلى ضرورة نشر قوات عسكرية أوروبية كافية (قد تصل إلى 150 ألف جندي) تعمل كقوة ردع، أو نشر عدد أقل من القوات الأوروبية (5000 -10000 جندي). وهذه القوات، مهما كان حجمها، لن يكون هدفها الدفاع عن أوكرانيا في حال تعرضها لهجوم روسي، بل ردع روسيا. ولكن هناك اختلافات كبيرة بين الدول الأوروبية حول نشر القوات في أوكرانيا، وتتزعم ألمانيا وإيطاليا جبهة المعارضة. كما أنّ نشر قوات أوروبية في أوكرانيا قد يُحدث ثغرات في خطط حلف الناتو الحالية، ما يضطر أعضاؤه إلى تغييرها. علاوة على ذلك، فإن غياب قيادة موحدة، بفرض نشر هذه القوات، نظراً لخضوع جنود كل دولة مشاركة إلى قيادتها العسكرية، سوف يُحد من فعّالية هذه القوات. والأهم من ذلك أنّ هذا البديل محفوف بالمخاطر، لأنه قد يورط بلدانها في حرب أرادت تجنبها.
وبناءً عليه، فإنّ أي اتفاق واقعي قد يتضمن قبول أوكرانيا بخسارة بعض أراضيها، ولاسيما إقليم الدونباس في إطار ما أسماه الرئيس ترامب ب «تبادل أراض»، مقابل الحفاظ على جيش حديث قوي ودعم غربي طويل الأمد، مع تخفيف تدريجي للعقوبات عن روسيا، وآليات مراقبة دولية لأي اتفاق بين الطرفين. وتتمثل الصيغة الأكثر واقعية في اتفاقات أمنية ثنائية بين عددٍ من الدول الأوروبية (وربما الولايات المتحدة لاحقاً)، تُسهم في تحديث القوات الأوكرانية وتدريبها، بما يحولها نفسها إلى قوة ردع لأي هجومٍ روسي محتمل وقادرة على الدفاع عن نفسها في حالة حصول مثل هذا الهجوم، على أنْ يتم ذلك تحت مظلة ردع «غربية» غير معلنة، مع وجود ضمانات دستورية ودولية تتضمن الحياد الأوكراني وضوابط انتشار قواتها. وهذه الصيغة أكثر واقعية، وأكثر حظًا في التحقق، لأنها توازن بين المطالب الأمنية لكلٍ من روسيا وأوكرانيا.
والواقع أنّ الدور الأوروبي سيكون محور أي اتفاق للضمانات الأمنية لأوكرانيا وللتسوية السياسية للحرب عامةً، لكون أوروبا ستتحمل النصيب الأكبر في توفير هذه الضمانات، وفي إعادة الإعمار.




