رأي

أزمة الحكومة البريطانية

كتب أحمد مصطفى, في الخليج:

انتهز رئيس الحكومة البريطانية كيير ستارمر استقالة نائبته أنجيلا راينر هذا الأسبوع، ليجري تعديلاً وزارياً واسعاً في حكومته التي مر عليها نحو عام في السلطة إثر فوز حزب العمال الكاسح في انتخابات الصيف الماضي. كانت استقالة راينر متوقعة بعد الحملة المركزة في الإعلام على تفاديها دفع كامل ضريبة الدمغة العقارية على بيت ثاني اشترته قرب الشاطئ، لكن تلك لم تكن مشكلة حكومة حزب العمال الوحيدة في مدة حكمها القصيرة. إنما المشكلة الأهم تتمثل في قيادة كيير ستارمر وفريقه الذي يكاد يكون أفرغ حزب العمال تماماً من إرثه السياسي. فإذا كان توني بلير وغوردون براون في تسعينيات القرن الماضي أخذا الحزب من اليسار إلى الوسط فإن ستارمر، عن قصد أو عدم دراية، أخذ الحزب نحو اليمين أكثر.
من هنا كانت أهمية وجود راينر في الحكومة، فهي قادمة من حراك النقابات العمالية وكانت عاملاً مهمّاً في فوز الحزب بأصوات القاعدة التاريخية له في انتخابات يوليو العام الماضي. حتى وإن كانت شخصية أقرب للوسط من اليسار إلا أنها كانت سنداً مهمّاً لستارمر في الحكم، خاصة أن رئيس الوزراء القادم من البيروقراطية الحكومية ليست لديه أي خبرات سياسية، فضلاً عن أنها كانت ربما هي ومن خلفها في منصبها، ديفيد لامي، من القليلين الباقين في حزب العمال ممن لا يعتبرون «بليريين» تماماً. لا تُعد راينر شخصية سياسية فحسب، إنما كانت حلقة وصل مهمة بين الحكومة وقيادتها المنفصلة عن قواعد حزبها وبين نواب حزب العمال غير الراضين عن التوجه اليميني لستارمر وفريقه. كما كانت القناة الأهم بين الحكومة وقواعد الحزب من جماهير الناخبين. وحين كان بوريس جونسون، وهو سياسي مفوّه قادر على التواصل مع الجماهير بمهارة، يرأس حكومة حزب المحافظين قبل سنوات قليلة لم يكن يخشى من حزب المعارضة المنافس وقتها أكثر من أنجيلا راينر.
لا شك أن كيير ستارمر يدرك خسارته بخروجها من الحكومة، لكن لا يمكن إلقاء تبعة مشاكل حكومته على استقالة نائبته فحسب. فحتى الآن فشلت الحكومة في تحقيق النمو الاقتصادي الذي وعدت قبل الانتخابات وبعدها أنه الهدف الأول والأهم لها. فالناتج المحلي الإجمالي البريطاني لا يكاد يحقق أي نمو والتضخم ما زال مرتفعاً والأوضاع المعيشية لأغلب الأسر البريطانية في تدهور. يصوّت الناس في بريطانيا، مثلهم مثل غيرهم في أغلب الديمقراطيات الغربية، على أساس قضاياهم المحلية وتحديداً ما يتعلق بوضعهم المعيشي، وهذا ما لم يتحسن في أكثر من عام من حكم حزب العمال بقيادة ستارمر. إلا أن الناخبين في بريطانيا أيضاً يهتمون بالقضايا الخارجية ربما أكثر من غيرهم في دول أخرى مثل الولايات المتحدة التي قد لا يعرف معظم ناخبيها أين تقع ليبيا أو اليمن مثلاً. ويصعب تجاهل أن موقف حكومة ستارمر من الحرب على غزة لم تكن فشلاً آخر في السياسة الخارجية. ليس من قبيل أنه كان بإمكان بريطانيا أن تفعل شيئاً ولم تفعله وإنما لأن أغلبية من نواب حزب العمال في البرلمان ليست راضية عن سياسة حكومتهم الداعمة بقوة لإسرائيل.
لا تستطيع حكومة ستارمر أن تلقي باللوم كثيراً في فشلها على المعارضة من منافسها التقليدي حزب المحافظين، الذي مُني بخسارة هائلة في الانتخابات وما زال يترنّح تحت وطأة مشاكله الداخلية وقيادته الضعيفة. إنما الخطر الأكبر يأتي من اليمين المتطرف الذي يمثله نايجل فاراج وحزبه «إصلاح بريطانيا». ذلك لأن فاراج مقرب من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ويحظى في الوقت نفسه بدعم الملياردير الأمربكي إيلون ماسك. فرض فاراج وحزبه على الحكومة قضية المهاجرين، التي تلقى تعاطفاً من الجماهير مع التوجهات «الترامبية» لفاراج، على حكومة ستارمر. ودفع ذلك الحكومة وفريقها «البليري» إلى التوجّه أكثر نحو اليمين ابتعاداً عن القاعدة الصلبة لهم بين جماهير العمال والطبقة الوسطى. والآن، بخسارة راينر سيكون هذا التوجّه هو السائد مع وجود وزيرة الخارجية يفيت كوبر التي تعود علاقتها بالحكومة إلى فترة رئاسة توني بلير ووجوه جديدة مثل وزيرة الداخلية الآن شابانا محمود المعروفة بتوجهاتها اليمينية التي ربما تتجاوز المحافظين.
ربما يرى البعض في التعديل الوزاري الأخير فرصة لرئيس الوزراء لقيادة فريق متجانس، يمكّنه من أي إنجاز يغيّر صورة فشل الحكومة لدى الشعب. لكن الواضح أن أزمة الحكومة وحزب العمال مستمرة، بل ربما يواجه الحزب مشاكل أخرى في الفترة القادمة، سواء بالنسبة لقدرة الحكومة على مواجهة التحديات الاقتصادية أو لصراعات داخلية بين أجنحته. ذلك أن راينر لم تستقل فقط من منصبها في الحكومة بل استقالت أيضاً من منصبها كنائب رئيس الحزب. وإذا كان ستارمر عيّن لامي نائباً له في الحكومة فإن منصب نائب رئيس الحزب يتم الاختيار له بالانتخاب من أعضاء الحزب. وبالتالي فالحزب الحاكم على موعد مع صراع بين جناحه اليساري ويمين الوسط في تلك الانتخابات الداخلية القادمة.
ربما يكون تفاؤل نايجل فاراج بانهيار الحكومة، حيث دعا حزبه للاستعداد لانتخابات مبكرة، فيه قدر من الشطط. لكن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده تماماً، خاصة إذا تفجرت خلافات داخلية في الحزب الحاكم تجعل نوّابه يتمرّدون على قيادته وحكومته كما حدث مع حزب المحافظين وأدى لخسارته الانتخابات وخروجه من السلطة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى