
حسين زلغوط – خاص “رأي سياسي”:

مع اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدأت تداعيات الحرب تتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية لتصيب قلب الاقتصاد العالمي. فأسواق الطاقة، التي تعد المؤشر الأكثر حساسية للتوترات الجيوسياسية، دخلت مرحلة اضطراب حاد، وسط توقعات متزايدة بأن يقفز سعر برميل النفط إلى حدود غير مسبوقة قد تصل إلى مئتي دولار. وفي مثل هذا المشهد، يبرز سؤال أساسي: هل يدفع شبح أزمة الطاقة الكبرى العالم إلى ممارسة ضغط دولي واسع لوقف الحرب؟
إن التاريخ الحديث يظهر أن الحروب في الشرق الأوسط غالباً ما تتحول بسرعة إلى أزمات طاقة عالمية، فهذه المنطقة تمثل الشريان الرئيسي لإمدادات النفط والغاز، وأي تهديد للاستقرار فيها ينعكس مباشرة على الأسواق. ومع تصاعد المواجهة مع إيران، بدأت المخاوف تتزايد من احتمال اتساع دائرة العمليات العسكرية لتشمل الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمها مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. ومجرد التلويح بإمكانية تعطّل هذا الممر كفيل بإرباك الأسواق ودفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
لا شك أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر تأثيره على الدول الصناعية الكبرى، بل يهدد الاقتصاد العالمي برمّته، فزيادة أسعار النفط تعني ارتفاع كلفة النقل والإنتاج والتصنيع، ما يؤدي بدوره إلى موجة تضخم عالمية جديدة قد تعصف بالاقتصادات الهشة وتزيد من الضغوط على الدول النامية.
وفي ظل عالم لم يتعافَ بالكامل من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، فإن القفزة المحتملة في أسعار الطاقة قد تتحول إلى عامل تفجير اقتصادي واسع النطاق.
هذا الواقع يضع القوى الكبرى أمام معادلة معقدة، فالدول الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة تبدو الأكثر قلقاً من استمرار الحرب. وفي ظل فصل الشتاء، يصبح أمن الطاقة مسألة حيوية لا تحتمل المجازفة. كما أن الاقتصادات الآسيوية الكبرى، التي تقوم صناعاتها على تدفق مستقر للنفط والغاز، تدرك أن استمرار التصعيد العسكري سيؤدي إلى اضطراب خطير في سلاسل الإمداد العالمية.
من هنا، يتوقع أن يتزايد الضغط السياسي والدبلوماسي على الأطراف المعنية لاحتواء الصراع قبل أن يتحول إلى أزمة طاقة عالمية شاملة. حيث إنه، وعلى سبيل المثال، فإن أستراليا بدأت تتأثر بهذا الموضوع، إذ عُلم أن العديد من محطات الوقود أُقفلت، وأن ليتر البنزين الواحد تجاوز الثلاثة دولارات أسترالية. والدول الكبرى، حتى تلك التي لا تشارك مباشرة في المواجهة، تدرك أن انفلات الأسعار إلى حدود مئتي دولار للبرميل قد يقود الاقتصاد الدولي إلى ركود قاسٍ، وربما إلى أزمة مالية جديدة تتجاوز في آثارها ما شهده العالم خلال السنوات الماضية.
غير أن المشكلة تكمن في أن الحروب لا تُدار فقط بحسابات الاقتصاد، بل أيضاً باعتبارات القوة والنفوذ والردع. لذلك فإن الضغوط الدولية، مهما كانت قوية، قد لا تكون كافية وحدها لوقف التصعيد، ما لم تتوافر إرادة سياسية لدى الأطراف المتحاربة للبحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ ماء الوجه ويمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
في المقابل، قد يشكل عامل الطاقة نفسه نقطة تحوّل في مسار الأزمة. فكلما ارتفعت الأسعار وتزايدت المخاوف من انهيار التوازنات الاقتصادية، ازدادت احتمالات تدخل القوى الدولية الكبرى لفرض مسار تفاوضي يضع حداً للحرب. وفي عالم تحكمه المصالح الاقتصادية الكبرى، يصبح النفط أحياناً أقوى من المدافع، وقد يتحول الضغط الناتج عن أسواق الطاقة إلى القوة الخفية التي تدفع الجميع نحو طاولة التسوية.
نختم بالقول إنه بين منطق الحرب ومنطق الاقتصاد، يقف العالم اليوم أمام مفترق حساس. فإذا استمرت الحرب وتواصلت الاضطرابات في أسواق الطاقة، فإن الضغط الدولي لوقف الحرب قد يتحول من خيار سياسي إلى ضرورة عالمية لا مفر منها.




