هل يمكن لقمّة الدوحة أن تكون مختلفة؟

كتب تامر قرموط, في العربي الجديد:
تتّجه الأنظار نحو الدوحة التي تستضيف اليوم الاثنين القمة العربية الإسلامية الطارئة، في سياق بالغ الحساسية والخطورة، فالهجوم الإسرائيلي المباشر على العاصمة القطرية، وما يطرحه من أسئلةٍ بشأن مستقبل الأمن القومي العربي يضع هذه القمّة أمام امتحان استثنائي: هل ستكون كسابقاتها مجرّد منبر للتصريحات والشعارات، أم ستشكّل نقطة تحوّل بقرارات جريئة وإجراءات عملية تحفظ ما تبقى من كرامة وسيادة عربية، وتعيد الاعتبار للعمل العربي المشترك؟
اعتادت القمم العربية عقوداً أن تكتفي ببيانات ختامية محمّلة بالشعارات، بينما تبقى الأفعال غائبة أو مقيدّة، غير أن التحدّي هذه المرّة مختلف؛ فالمجزرة المتواصلة في غزّة، والاعتداء المباشر على قطر، لم يتركا مجالاً لمناورة سياسية أو التذرّع بالحياد. لم تعد المسألة اليوم فلسطينية محضة، بل باتت تمسّ سيادة كل دولة عربية، في ظل نزعةٍ إسرائيليةٍ متوحّشة للتوسّع واختبار حدود الصمت العربي، مدعومة بغطاء أميركي غير مسبوق في استخفافه بالمواقف العربية.
وهناك جملة من المواقف التي يمكن لقطر أن تتبنّاها وتضعها على جدول أعمال القمّة، ردّاً مباشراً على حرب الإبادة في غزّة والاعتداء الإسرائيلي على الدوحة، الذي حرّرها من دور الوسيط في مفاوضات هدنةٍ مستهلكة. هذه المواقف منسجمة مع القانون الدولي والمواثيق والأعراف الأممية، ولا تتطلّب سوى التزام سياسي ومالي، لكنها قادرةٌ على إيلام الكيان بشدّة، فالدوحة تملك، بكل ما تمثله من ثقل سياسي ودبلوماسي، فرصةً لطرح مبادراتٍ نوعيةٍ، قادرة على تحويل هذه القمّة إلى محطة فارقة.
المجزرة المتواصلة في غزّة، والاعتداء المباشر على قطر، لم يتركا مجالاً لمناورة سياسية أو التذرّع بالحياد
من أبرز هذه الخيارات: أولاً، التقاضي الدولي ضد إسرائيل: إعلان انضمام قطر رسمياً إلى دعوى جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية بشأن جريمة الإبادة الجماعية، ودعوة الدول العربية والإسلامية إلى الانضمام، وتشكيل جبهة قانونية موحّدة. توفير التمويل والدعم للفريق القانوني ليس فقط تعبيراً عن موقف أخلاقي، بل أيضاً خطوة لتحقيق العدالة الدولية، وتحميل إسرائيل مسؤولياتها أمام المجتمع الدولي.
ثانياً، إحياء (ودعم) وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التابعة للأمم المتحدة: ليس استهداف إسرائيل الوكالة اعتباطياً، بل هو جزء من خطّة استراتيجية لتصفية قضية اللاجئين وإنهاء حق العودة. من هنا، إن تبنّي (وتفعيل) آلية لدعوة الدول المجتمعة في القمّة إلى توفير دعم سخي ومستدام للمؤسّسات الدولية التي تخدم الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وفي مقدمها “أونروا” التي باتت هدفاً مباشراً للاحتلال الإسرائيلي، بغرض إنهاء وجودها وتجفيف مواردها. إعادة تمكين الوكالة من أداء دورها في خدمة الشعب الفلسطيني سيشكّل ضربة موجعة لإسرائيل، وخطوة تكتيكية لإفشال المخطّط الإسرائيلي الرامي إلى اقتلاع الفلسطيني من وطنه ومخيّماته في الداخل الفلسطيني والشتات.
ثالثاً: صندوق عربي – إسلامي للعدالة الدولية: إنشاء صندوق مخصّص لتمويل المؤسسات الحقوقية والخبراء القانونيين لملاحقة جرائم الحرب الإسرائيلية في المحاكم الوطنية والدولية. يشمل هذا الصندوق دعم الأكاديميين والناشطين الحقوقيين الذين يتعرّضون لحملات تضييق وتشويه من إسرائيل وحلفائها. وسيحوّل مثل هذا الجهد المنظم التضامن إلى آلية عمل مستدامة تتجاوز الخطابات الموسمية.
رابعاً، إحياء منظّمة التحرير الفلسطينية: كما احتضن العرب في ستينيات القرن الماضي منظّمة التحرير ممثلاً شرعياً، ثم وحيداً، للشعب الفلسطيني، فإن مسؤوليتهم اليوم تفرض الدفع باتجاه إعادة بنائها وإصلاحها، لتستعيد شرعيتها وتتجاوز حالة الانقسام، فالمشروع الإسرائيلي لم يعد مقتصراً على غزّة، بل يبتلع الضفة الغربية، ويقوّض أي أفق لحل سياسي. وحدَه موقف عربي موحّد وضاغط يمكن أن يجبر الفصائل الفلسطينية على تحمّل مسؤولياتها التاريخية. ترتيب البيت الفلسطيني أولوية قصوى، ولا سيما لضمان وجود عنوان سياسي واحد، قادر على الاستجابة للاعترافات الدولية المتزايدة والزخم المتعاطف مع القضية الفلسطينية، واستثمار هذا الزخم بذكاء وفعالية في مسار التحرّر والاستقلال.
الدوحة اليوم أمام فرصة تاريخية لتصحيح مسار العمل العربي
خامساً، تجميد قطار التطبيع: من دون خطوات عملية لوقف مسار التطبيع مع إسرائيل، ستظل الأخيرة مطمئنة إلى أن جرائمها لن تكلّفها شيئاً. المطلوب قرار عربي حازم بتجميد كل أشكال التطبيع حتى قيام دولة فلسطينية مستقلّة، بما يتماشى مع القانون الدولي ومبادرة السلام العربية نفسها.
ما يميز هذه المقترحات أنها لا تستدعي تحريك جيوش أو مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بل تندرج ضمن القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة. والأهم أنها لا تتجاوز في سقفها ما اتخذته دول أوروبية، مثل إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا، أو دول من الجنوب العالمي، مثل جنوب أفريقيا، التي اختارت الانحياز للعدالة رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية. فما الذي يمنع الدول العربية من اتخاذ مواقف مشابهة، وهي التي تدّعي أن فلسطين قضيتها المركزية؟
الدوحة اليوم أمام فرصة تاريخية لتصحيح مسار العمل العربي، فإذا نجحت في تحويل القمّة من مسرح خطابي إلى منصّة قرارات عملية، فإنها ستفتح صفحة جديدة من الفعل العربي المؤثر. أما إذا اكتفت الدول ببيانات إدانة مكرورة، فإنها ستمنح إسرائيل ضوءاً أخضر لمواصلة جرائمها، وستُسجل في التاريخ قمّة ضيّعت ما تبقى من الكرامة العربية.




