رأي

 هل تشهد الأمم المتحدة نهايتها؟

كتب جو أدتونجي, في موقع “The Conversation” الأميركي:

الحقيقة المرّة هي أننا نملك خياراً حقيقياً واحداً في الوقت الحاضر: إما مؤسسة عالمية معيبة للغاية، أو لا شيء على الإطلاق.

احتفلت الأمم المتحدة بعيدها الـ80 في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، وهو عمر مديد بالنسبة لأهمّ منظّمة دولية عرفها العالم. إلّا أنّ أحداث السنوات الأخيرة، بدءاً من العملية العسكرية التي قام بها ترامب في نهاية الأسبوع الماضي للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مروراً بالغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، وصولاً إلى الكارثة الإنسانية المستمرة في غزة، تُمثّل تحدّيات جسيمة لمنظومة الأمم المتحدة. ويتساءل الكثيرون اليوم عمّا إذا كان للأمم المتحدة أي مستقبل إذا لم تستطع الوفاء بوعدها الأول بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين. فهل وصلت الأمم المتحدة إلى نهايتها؟

مجلس الأمن الدولي
يُعدّ مجلس الأمن الدولي الجهاز الرئيس في الأمم المتحدة المسؤول عن حفظ السلم والأمن. وبموجب القواعد المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، لا يكون العمل العسكري – أي استخدام القوة – مشروعاً إلا إذا أذن به قرار صادر عن مجلس الأمن (كما هو موضّح في المادة 42 من الميثاق)، أو إذا كانت الدولة المعنية تتصرّف دفاعاً عن النفس. ويخضع الدفاع عن النفس لقواعد صارمة تشترط أن يكون رداً على هجوم مسلح (المادة 51). وحتى في هذه الحالة، لا يكون الدفاع عن النفس مشروعاً إلا إلى أن يتدخّل مجلس الأمن لاستعادة السلم والأمن الدوليين.

يتألّف مجلس الأمن من 15 دولة عضواً:

  • 5 دول دائمة العضوية (الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة – والمعروفة أيضاً باسم الدول الـ5 دائمة العضوية)
  • و10 أعضاء غير دائمي العضوية يتمّ انتخابهم لمدة سنتين.

تتطلّب القرارات 9 أصوات مؤيّدة، ولا يجوز لأيّ عضو دائم الاعتراض عليها، ما يمنح الدول الـ5 دائمة العضوية سيطرة حاسمة على جميع الإجراءات المتعلقة بالسلم والأمن. وقد أُنشئ هذا النظام تحديداً لمنع الأمم المتحدة من اتخاذ إجراءات ضد القوى الكبرى (المنتصرة في الحرب العالمية الثانية)، ولتمكينها أيضاً من العمل كقوة موازنة لطموحات بعضها البعض. لكنّ هذا النظام لا يعمل إلا عندما توافق الدول الـ5 الكبرى على الالتزام بالقواعد.

هل يمكن إصلاح نظام حق النقض (الفيتو) الخاص بالأمم المتحدة؟
خلال السنوات الأخيرة، أثبت الروس والأميركيون بوضوح أنّ حق النقض (الفيتو) قد يُعطّل مجلس الأمن فعلياً، بغض النظر عن مدى فداحة انتهاك القانون الدولي. ولهذا السبب، غالباً ما يتم انتقاد حق النقض بشدة. وكما أوضحت إحدى عضواتنا (تامسين بيج) سابقاً، فإن استخدام حق النقض لخدمة مصالحها الخاصة (أي عندما تستخدم دولة عضو الفيتو لتعزيز مصالحها) قد يكون مرفوضاً سياسياً، ولكنه ليس محظوراً قانوناً.

لا يفرض ميثاق الأمم المتحدة أي قيود قابلة للتنفيذ على استخدام الفيتو. كما لا توجد إمكانية للمراجعة القضائية لمجلس الأمن في الوقت الراهن. وهنا تكمن إحدى أبرز عيوب التصميم المتعمّدة في منظومة الأمم المتحدة. ويضع الميثاق الدول الـ5 دائمة العضوية في مجلس الأمن فوق القانون، مانحاً إياها ليس فقط سلطة نقض العمل الجماعي، بل أيضاً سلطة نقض أي محاولة للإصلاح. وبالتالي، فإنّ إصلاح الفيتو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أمر ممكن نظرياً- إذ تسمح المادتان 108 و109 من الميثاق بذلك – ولكنه مستحيل عملياً.

ويُعدّ حلّ الأمم المتحدة وإعادة تشكيلها بموجب ميثاق جديد البديل الهيكلي الوحيد. إلا أنّ هذه الخطوة تتطلّب مستوىً من التضامن العالمي غير موجود حالياً. وقد تعرقل دولة أو أكثر من الدول الـ5 دائمة العضوية أي إصلاح أو إعادة هيكلة من شأنها أن تؤدي إلى فقدان حق النقض (الفيتو).

حقيقة مرّة
لذا، يبدو أننا نشهد انهيار نظام السلم والأمن الدولي الذي تقوده الأمم المتحدة أمام أعيننا. ولا يمكن لمجلس الأمن – بحكم طبيعته – التدخّل عندما تكون الدول الـ5 دائمة العضوية في مجلس الأمن (الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) هي المعتدية. إلا أنّ التركيز على مجلس الأمن وحده يُعرّضنا لخطر إغفال الكثير مما تقوم به الأمم المتحدة فعلياً بشكل يومي بعيداً عن الأنظار في أغلب الأحيان.

وعلى الرغم من عجزها عن مواجهة صراعات القوى العظمى، فإنّ الأمم المتحدة ليست مؤسسة فارغة. فعلى سبيل المثال، تدعم الأمانة العامة بعثات حفظ السلام والبعثات السياسية، وتساعد في تنظيم المؤتمرات والمفاوضات الدولية. في حين يرصد مجلس حقوق الإنسان مدى الالتزام بحقوق الإنسان ويقدّم تقارير بشأنه وتتولى الوكالات التابعة للأمم المتحدة تنسيق الإغاثة الإنسانية وتقديم المساعدات المنقذة للحياة. كما تتطرّق آليات الأمم المتحدة إلى كلّ الأمور من الصحة إلى حقوق الإنسان إلى المناخ والتنمية، وتؤدي وظائف لا يمكن لأي دولة بمفردها أن تحاكيها. ولا يتطلّب أيّ من هذا العمل مشاركة مجلس الأمن، ولكنه يعتمد كلّه على البنية المؤسسية للأمم المتحدة (التي يعتبر مجلس الأمن جزءاً لا يتجزأ منها).

والحقيقة المرّة هي أننا نملك خياراً حقيقياً واحداً في الوقت الحاضر: إما مؤسسة عالمية معيبة للغاية، أو لا شيء على الإطلاق. وقد يكون مستقبل الأمم المتحدة مسألة صمود محضّ، وحفاظ على ما لا يزال قادراً على العمل، وانتظار تغيّر الظروف السياسية. نحن ندعم هذا النظام ليس لأنه يعمل بكفاءة تامّة، أو حتى بشكل جيد، بل لأنّ خسارته ستكون أسوأ بكثير. فهل هل ينبغي لنا العمل على نظام أفضل لا يكافئ الأقوياء بإفلاتهم من المساءلة؟ بالتأكيد. لكن لا ينبغي لنا أن نتجاهل كلّ الخير الذي تقدّمه الأمم المتحدة خارج أروقة مجلس الأمن، بسبب النفاق الصارخ والخبث اللذين تمارسهما الدول الـ5 دائمة العضوية في مجلس الأمن.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى