هل العراق على طريق التنمية؟ ربما…

كتب د. جيرار ديب في صحيفة العرب.
طريق التنمية، رغم ما يحمله من وعود اقتصادية وتنموية، ليس طريقًا معبّدًا بالكامل. فخلف المشاريع تتشابك خيوط السياسة والأمن والمصالح.
بالنظر إلى المشهد العراقي الراهن، يمكن القول إن تصريحات وزير النقل رزاق محيبس السعداوي الأخيرة بشأن “طريق التنمية” لم تكن مجرد تصريح فني عن مشروع بنى تحتية، بل إعلان سياسي بامتياز يعكس طبيعة التحولات التي يعيشها العراق في لحظة دقيقة من تاريخه السياسي والاقتصادي.
حين قال السعداوي إن “لتركيا دورًا محوريًا وفعالًا في مشروع طريق التنمية”، بدا وكأنه يرسم بوضوح ملامح التحالفات الاقتصادية الجديدة التي تحاول بغداد من خلالها أن توازن بين طموحاتها التنموية ومقتضيات الجغرافيا السياسية المعقدة التي تحيط بها.
فمشروع “طريق التنمية” ليس مجرد طريق بري وسكة حديد تمتد لمسافة 1200 كيلومتر من الموانئ العراقية إلى الحدود التركية. إنه، في جوهره، رهان استراتيجي على إعادة تموضع العراق في قلب الخريطة التجارية بين الخليج وأوروبا.
ولعل هذه الرؤية هي ما تسعى حكومة محمد شياع السوداني لتكريسه عبر خطاب “التنمية أولًا” بوصفه عنوانًا لمرحلة جديدة، تنأى بالعراق عن فوضى الميليشيات ومستنقع الصراعات الإقليمية، وتعيده إلى موقعه الطبيعي كدولة مركزية تربط الشرق بالغرب.
فهل يستطيع العراق أن يسلك طريق التنمية دون أن يتحول إلى طريق الصراع؟ أم أن معادلة التنمية في بلاد الرافدين ستبقى رهينة لعبة الأمم ومصالح الكبار؟
غير أن ما قاله السعداوي عن “الدور التركي” يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول مدى قدرة العراق على الموازنة بين الدور التركي الصاعد والنفوذ الإيراني الراسخ في مفاصل الدولة. فالمشروع الذي يفترض أن يكون اقتصاديًا وتنمويًا بحتًا، يتحول عمليًا إلى ساحة تنافس بين مشروعين: مشروع تركي يسعى إلى تكريس أنقرة كجسر تجاري بين آسيا وأوروبا، ومشروع إيراني يرى في العراق ساحة نفوذ حيوية ومتنفسًا اقتصاديًا في ظل العقوبات.
وفي موازاة طريق التنمية، جاءت خطوة تدشين الأنبوب البحري الثالث في ميناء الفاو الكبير لتؤكد أن العراق عازم على المضي في سياسة “التنمية كخلاص”. فقد أعلن نائب رئيس الحكومة ووزير النفط حيان عبد الغني أن المشروع سيزيد القدرة التصديرية للنفط بمليوني برميل يوميًا، واصفًا إياه بأنه “قفزة استراتيجية” في تعزيز موقع العراق على خريطة الطاقة العالمية. تلك الخطوة تحمل في طياتها رسالة مزدوجة: العراق يريد أن ينهض اقتصاديًا، لكنه يدرك في الوقت ذاته أن نهضته لا يمكن أن تكون معزولة عن شبكة المصالح الدولية والإقليمية المتشابكة في المنطقة.
من الواضح أن رئيس الحكومة محمد شياع السوداني يسعى إلى بناء عراق “وظيفي” في النظام الدولي الجديد، عراق لا يدخل في مواجهة مع الغرب ولا يستفز إيران، بل يحاول أن يجد مساحة رمادية يحقق من خلالها مكاسب تنموية دون أن يتحول إلى رهينة لأي محور. ويبدو أن السوداني يدرك أن الاستقرار الداخلي يمرّ عبر تسويات دقيقة مع الميليشيات الموالية لإيران، لذلك اختار دمجها في المنظومة الأمنية الرسمية بدل الدخول في مواجهة مباشرة معها، وهو خيار عملي لكنه محفوف بالمخاطر على المدى الطويل.
في الجوهر، يشكل “طريق التنمية” وميناء الفاو الكبير محاولة عراقية لإعادة تعريف الهوية الاقتصادية للبلاد. فالعراق الذي ظل لعقود رهينة النفط والحروب، يريد اليوم أن يكون ممرًا استراتيجيًا لا مجرد مصدر طاقة. وهو بذلك يسعى إلى التحول من دولة ريعية إلى دولة لوجستية تربط بين الخليج وأوروبا عبر مسار بري وبحري منافس لقناة السويس.
هذه الرؤية الطموحة تصطدم بعقبات جيوسياسية معقدة، أبرزها الصراع التركي – الإيراني الذي بدأ يطفو على السطح مجددًا، من جنوب القوقاز إلى الأراضي العراقية نفسها.
ولعل افتتاح “ممر زنغزور” التجاري بين أذربيجان وتركيا عبر الأراضي الأرمينية من دون المرور بإيران، شكّل جرس إنذار لطهران التي رأت فيه تهديدًا مباشرًا لنفوذها في المنطقة. ومع نجاح واشنطن وأنقرة في التقريب بين يريفان وباكو، وجدت إيران نفسها أمام مشهد إقليمي جديد يعيد رسم خطوط التجارة والنفوذ في القوقاز والشرق الأوسط، بما يقلص دورها التقليدي.
طريق التنمية، رغم ما يحمله من وعود اقتصادية وتنموية، ليس طريقًا معبّدًا بالكامل. فخلف خطوط السكك الحديدية ومشاريع الموانئ العملاقة، تتشابك المصالح الإقليمية والدولية
لذا لم يكن مستغربًا أن تعترض طهران بشدة على هذا الممر وتستشعر خطر تمدد النفوذ التركي على حسابها.
في هذا السياق، يصبح العراق بالنسبة لإيران “الورقة الضاغطة” الأهم في مواجهة تركيا. فبينما يصادق البرلمان التركي على تمديد وجود قواته في العراق وسوريا ثلاث سنوات إضافية، تتحرك طهران لتذكير الجميع بأنها لا تزال صاحبة الكلمة العليا في بغداد، وأن وكلاءها قادرون على تعطيل أي مشروع لا يمرّ عبر موافقتها. هذا التوازن الدقيق بين النفوذين التركي والإيراني يجعل من العراق ساحة اختبار حقيقية، ليس فقط لمشاريع التنمية، بل أيضًا لحدود القوة الإقليمية في مرحلة ما بعد الصراعات الكبرى.
ولا يمكن تجاهل البعد الأميركي في هذه المعادلة. إذ دخلت واشنطن على الخط مجددًا من بوابة الميليشيات العراقية، عندما دعا وزير الخارجية ماركو روبيو رئيس الحكومة إلى الإسراع في نزع سلاح الفصائل، معتبرًا أنها “تهدد مصالح الولايات المتحدة”. هذه الرسالة التي جاءت قبل أسابيع من الانتخابات البرلمانية العراقية لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإقليمي. فواشنطن لا تريد فقط تقليص نفوذ طهران داخل العراق، بل تسعى أيضًا إلى إرسال إشارات لأنقرة مفادها أن أي مشروع تنموي – ومنه طريق التنمية – لن يُكتب له النجاح إذا ظل النفوذ الإيراني على حاله.
في المقابل، ترى إيران في هذا الخطاب الأميركي محاولة لشرعنة الدور التركي على حسابها، ولذلك تلوّح باستخدام أوراقها داخل العراق لتعطيل أي مشروع لا يراعي مصالحها الاقتصادية والسياسية. أما تركيا، التي تضع نصب عينيها هدف تحويل العراق إلى محور تجاري نحو الخليج، فهي تدرك أن نجاح مشروعها يمرّ عبر تهدئة الساحة العراقية لا تفجيرها.
إن الصراع غير المعلن بين أنقرة وطهران على أرض العراق لم يعد مجرد تنافس اقتصادي، بل أخذ بعدًا استراتيجيًا يمس مستقبل التوازن الإقليمي برمّته. فأنقرة تراهن على طريق التنمية لتوسيع نفوذها التجاري والسياسي، بينما ترى فيه طهران تهديدًا لبقائها كقوة مهيمنة في “الهلال الشيعي”. وبين هذين المشروعين، يجد العراق نفسه أمام تحدي صياغة هوية مستقلة تحفظ مصالحه وتمنع تحوله إلى ساحة تصفية حسابات.
في نهاية المطاف، يبدو أن طريق التنمية، رغم ما يحمله من وعود اقتصادية وتنموية، ليس طريقًا معبّدًا بالكامل. فخلف خطوط السكك الحديدية ومشاريع الموانئ العملاقة، تتشابك خيوط السياسة والأمن والمصالح الإقليمية والدولية. العراق اليوم يسير في طريق التنمية، لكنه يفعل ذلك على خط نار دافئ بين طموح تركي متسارع، ونفوذ إيراني متجذر، ورقابة أميركية لا تغيب.
فهل يستطيع العراق أن يسلك طريق التنمية دون أن يتحول إلى طريق الصراع؟ أم أن معادلة التنمية في بلاد الرافدين ستبقى رهينة لعبة الأمم ومصالح الكبار؟ سؤال سيبقى مفتوحًا إلى أن ينجح العراق في تحويل مشاريع البنية التحتية إلى بنية سيادية قادرة على حماية قراره الوطني من تقاطعات الجغرافيا السياسية.




