ميونخ.. تعلن موت النظام الدولي

كتب علي قاسم, في العرب:
ماذا يعني موت النظام الدولي؟ هل يعني عودة إلى الفوضى التي سبقت الحربين العالميتين؟ أم يعني ولادة نظام جديد متعدد الأقطاب قد يكون أكثر توازناً أو أكثر خطراً؟
ذكرى يوم الرابع عشر من فبراير – شباط 2026 ستبقى عالقة في أذهان الشعوب، في هذا اليوم تحدث المستشار الألماني فريدريش ميرتس في مؤتمر ميونيخ للأمن عن “موت النظام الدولي” كما عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لم يكن النعي مجرد خطاب شعبوي يهدف لكسب الشارع الأوروبي، بل كان تشخيصاً لحالة عالمية من الفوضى والارتباك، وإقراراً بأن القواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود لم تعد صالحة، وأن العالم يدخل مرحلة جديدة لا يستطيع أحد حتى الآن تحديد ملامحها بدقة.
منذ تأسيسه عام 1963، كان مؤتمر ميونخ للأمن بمثابة جهاز قياس لحرارة النظام العالمي. في السبعينيات، كان منصة خلفية لتبادل الرسائل بين الشرق والغرب، حيث التقت النخب العسكرية والاستخباراتية في غرف مغلقة لتفكيك ألغام الحرب الباردة. في التسعينيات، تحول المؤتمر إلى احتفالية بالنظام أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة، حيث انتشرت نزعة انتصاراتية غربية تحدثت عن “نهاية التاريخ” وسيادة النموذج الليبرالي. وفي عام 2007، وقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على منصة مؤتمر ميونخ ليوجه صفعة لتلك النزعة، معلناً رفض الهيمنة الأحادية، ومحذراً من أن روسيا لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام التمدد الغربي. كان خطاب بوتين أشبه بالصاعقة، لكن الغرب لم يصغِ جيداً، أو ربما لم يرغب في الإصغاء.
في عام 2026، عادت ميونخ لتعلن ما لم يستطع بوتين وحده أن يعلنه. فريدريش ميرتس، المستشار الألماني المحافظ، وقف أمام القاعة الممتلئة بقادة العالم وقال بوضوح: “النظام العالمي الذي كنا نعرفه لم يعد موجوداً”. لم تكن الكلمات مستفزة بقدر ما كانت تعبر عن واقع مؤلم يعيشه الأوروبيون. فالحرب في أوكرانيا مستمرة، والشرق الأوسط يحترق، والصراع التجاري بين الولايات المتحدة والصين يتصاعد، وأفريقيا تشهد انقلابات متتالية، وأميركا اللاتينية تعيد تعريف تحالفاتها. أما الولايات المتحدة، فلم تعد ذلك الحارس الأمين للنظام الليبرالي، بل تحولت إلى قوة متقلبة، تارة تنسحب، وتارة تعود، وأحياناً تضع شروطاً مثيرة للقلق.
ميونخ التي عاشت دمار 1945 وشهدت مؤتمر 1938 الذي سلم فيه الغرب تشيكوسلوفاكيا لهتلر أصبحت اليوم مكاناً يعلن فيه الغرب نفسه نهاية المنظومة التي قامت على أنقاض تلك الكارثة
ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي في إدارة الرئيس دونالد ترامب، تحدث في ميونخ بنبرة هادئة لكنها لم تخفِ القلق. لقد حاول طمأنة الأوروبيين بأن واشنطن لا تزال ملتزمة بالتحالف عبر الأطلسي، لكن الرسالة لم تصل كما كان متوقعا لها. فالأوروبيون يتذكرون جيداً كيف تذبذبت النبرة الأميركية عبر العقود. في الستينيات والسبعينيات، كانت واشنطن تؤكد التزامها بالدفاع عن أوروبا حتى تحت التهديد النووي. في التسعينيات، كان الخطاب منتصراً، وكأن أوروبا لم تعد بحاجة إلى حماية بقدر ما هي شريك أصغر في مشروع عالمي. وفي العقدين الأولين من الألفية الجديدة، تصاعد التوتر بسبب الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان التي ألقت بظلالها على العلاقة مع الحلفاء. أما منذ 2020، فصارت النبرة متذبذبة بين التصالحية والانتقادية، حتى وصلنا إلى 2026 حيث بات الشك الأوروبي في الالتزام الأميركي حقيقة قائمة، وليس مجرد تخوف نظري.
أوروبا نفسها لم تكن موحدة في قراءتها للمشهد. كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حاولت التمسك بفكرة الإصلاح بدلاً من الإعلان عن الموت. قالت إن النظام لم يمت، بل هو بحاجة ماسة إلى إصلاح جذري. لكن بدت وكأنها تدافع عن حصن يتساقط، أو عن مريض يحتاج إلى إنعاش قلبي رئوي. في المقابل، كانت الصين حاضرة بقوة، ليس فقط كقوة اقتصادية، بل كصوت يدافع عن بقاء الأمم المتحدة وميثاقها، محذرة من “قانون الغاب” الذي قد يسود إذا انهارت كل القواعد. كان الموقف الصيني مفهوماً: بكين تستثمر في النظام الدولي القائم لأنه يتيح لها النمو والتأثير، لكنها في الوقت نفسه تبني تحالفات موازية، وتطور مؤسسات بديلة، وكأنها تستعد لسيناريوهات متعددة.
ألمانيا، بصفتها الدولة المضيفة، كانت في قلب هذا الجدل. ألمانيا التي كانت جسراً بين أوروبا والولايات المتحدة في الحرب الباردة، وألمانيا التي نهضت بعد الوحدة لتصبح القوة الاقتصادية المهيمنة في القارة، وألمانيا التي حاولت لسنوات التوفيق بين المصالح الأوروبية والشراكة عبر الأطلسية، ها هي اليوم تعلن موت النظام. هذا التحول في الموقف الألماني يعكس تحولاً أعمق في صفوف النخب الأوروبية. فبرلين التي كانت تتردد في تبني خطاب قوي تجاه موسكو أو بكين، باتت تدرك أن التردد لم يعد ممكناً. ميرتس، وهو سياسي محافظ معروف بمواقفه المؤيدة للولايات المتحدة، وجد نفسه في موقع من يعلن نهاية حقبة، وكأنه يقول لأوروبا: لم يعد بإمكانكم الاختباء خلف واشنطن، حان وقت النضوج القسري.
النظام الدولي الذي عرفناه لم يعد موجوداً، لكن البديل لم يولد بعد. وما بين الموت والولادة، هناك فترة انتقالية ستكون بلا شك مضطربة وخطيرة
إذا نظرنا إلى الخطاب الروسي في 2007 والخطاب الألماني في 2026، نجد أنفسنا أمام نقطتي تحول رئيسيتين. بوتين قال ما لم يقله غيره، ووصف النظام الأحادي بأنه غير مقبول. ميرتس قال ما لم يتوقعه كثيرون، وأعلن أن النظام نفسه قد مات. بين هذين التاريخين، مرت أزمات أوكرانيا وسوريا وكورونا والتغير المناخي وحروب غزة والسودان، وكلها كشفت هشاشة المؤسسات الدولية وعجز مجلس الأمن عن القيام بدوره، واتساع الفجوة بين الشمال والجنوب، وتآكل الثقة بين الحلفاء التقليديين. ما كان في 2007 تحذيراً روسياً، صار في 2026 واقعاً يعترف به الغرب نفسه على لسان أكبر قواه الأوروبية.
لكن ماذا يعني موت النظام الدولي؟ هل يعني عودة إلى الفوضى التي سبقت الحربين العالميتين؟ أم يعني ولادة نظام جديد متعدد الأقطاب، قد يكون أكثر توازناً أو أكثر خطراً؟ الإجابة أن كلا السيناريوهين ممكن، بل إنهما يتصارعان حالياً على أرض الواقع. فمن ناحية، نشهد تصاعداً في النزعات القومية، وتراجعاً في الالتزام بالقانون الدولي، وتوسعاً في سباق التسلح، وتآكلاً في مفهوم السيادة الوطنية لصالح التدخلات الخارجية. ومن ناحية أخرى، نرى تكتلات جديدة تتشكل، وتحالفات اقتصادية بديلة تظهر، ومنصات متعددة الأطراف تحاول ملء الفراغ الذي تخلفه الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية وحلف شمال الأطلسي.
المفارقة الكبرى أن ميونخ، التي دمرتها الحرب العالمية الثانية ثم نهضت من الرماد لتصبح أيقونة للازدهار والانفتاح، هي التي تحتضن اليوم إعلان موت النظام الذي وُضع لتجنب تكرار تلك الحرب. ميونخ التي عاشت دمار 1945، وشهدت مؤتمر 1938 الذي سلم فيه الغرب تشيكوسلوفاكيا لهتلر، أصبحت اليوم مكاناً يعلن فيه الغرب نفسه نهاية المنظومة التي قامت على أنقاض تلك الكارثة. وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن بطريقة مختلفة، حيث لم تعد التهديدات تأتي من قوة صاعدة تطالب بمكانها، بل من تفكك داخلي للنظام الذي بدا لعقود منيعاً.
في النهاية، يبقى مؤتمر ميونخ 2026 علامة فارقة، ليس لأنه قدم حلولاً، بل لأنه شخّص المرض بدقة. النظام الدولي الذي عرفناه لم يعد موجوداً، لكن البديل لم يولد بعد. وما بين الموت والولادة، هناك فترة انتقالية ستكون بلا شك مضطربة وخطيرة. في هذه الفترة، سيعاد تعريف مفاهيم السيادة والتحالفات والقوة، وستظهر قوى جديدة وتختفي أخرى، وسيكون على البشرية أن تختار مرة أخرى بين نظام يحكمه القانون ونظام يحكمه الغاب. ميونخ، المدينة التي تحمل ندوب التاريخ في كل زاوية منها، تقول لنا إن بناء النظام الدولي ليس مشروعاً مكتملاً، بل هو عمل دائم ومستمر، يتطلب يقظة وإرادة وحكمة. وإذا كان النظام القديم قد مات، فالمسؤولية الآن تقع على عاتق جيل جديد لبناء ما يليق بكرامة الإنسان ومستقبل الكوكب.



