رأي

معركة مبكرة على الدوائر الانتخابية: «أرمادا» ترامب ترتدّ عليه داخلياً

كتبت ريم هاني, في الاخبار:

يستبق دونالد ترامب الانتخابات النصفية بعملية «عبث» غير مسبوقة بالخرائط الانتخابية. ويأتي ذلك على وقع تراجع واضح في شعبيّته، ولا سيما في أوساط الفئات التي كان قد نجح، سابقاً، في استمالتها على خلفية وعود بالرخاء الاقتصادي والسيطرة على الهجرة.

لا يبدأ الحديث الجدّي عن الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، عادةً، قبل فصل الصيف. لكن هذا العام، امتلأت وسائل الإعلام والصحف، باكراً جداً، بالضجيج المتّصل بتلك الانتخابات، المُزمع عقدها في تشرين الثاني القادم، في انعكاس واضح للتوترات السياسية والاجتماعية التي ساهمت ولاية دونالد ترامب الثانية في تأجيجها خلال وقت قياسي. وفي انعكاس لشراسة المعركة القادمة، وعلى الرغم من أنه في سنوات الانتخابات النصفية النموذجية، لا يحظى سوى عدد قليل من «تمهيديات» الحزبَين، والتي تسبق تلك الانتخابات، ومن المتوقّع أن تبدأ بعد أقلّ من أسبوعين، بقدر كبير من الاهتمام، في وقت تميل فيه المنافسات السياسية الداخلية إلى أن تكون أحداثاً «هادئة» – إلى درجة أن حوالي واحد فقط من كلّ خمسة ناخبين مؤهّلين يكلّف نفسه عناء الإدلاء بصوته، – إلا أنه هذه السنة، تبدو الانتخابات التمهيدية صاخبة ومزدحمة، في ظاهرة لا تشبه أيّ شيء شهدته البلاد في تاريخها الحديث.
ويرجع ذلك، على ما يبدو، إلى التأثير الكبير المتوقّع لـ«التمهيديات» في «النصفية»، ولا سيما أنه خلال الأولى، يُنافس أعضاء الحزب الواحد بعضهم بعضاً، ما يتيح للحزبين إمكانية «جسّ نبض» الناخبين من عدة نواحٍ، من مثل ما إذا كانوا يفضّلون، مثلاً، مرشحاً راديكالياً يرضي القاعدة «الصلبة»، أو «معتدلاً» يجذب المستقلين. كما أن المرشحين عادة ما يستنزفون الأموال، وحتى صورهم الإعلامية، بسبب الاتهامات التي قد يوجّهها إليهم أبناء حزبهم، وهو ما يؤثّر بدوره على حظوظهم في المنافسة النصفية. وهذه المرّة، قد تتيح الانتخابات الفرصة لاستشراف ما إذا كان مرشّحو «ماغا» الموالون لترامب، يحظون بالشعبية اللازمة قبل استحقاق تشرين الثاني، وذلك في خضمّ «تسونامي» السياسات المثيرة للجدل الذي تسبّب به ساكن البيت الأبيض.

والجدير ذكره، هنا، أنه في الانتخابات الأميركية، بشكل عام، فإن «المرشحين هم من يختارون ناخبيهم» – لا العكس -، في ظلّ آلية تُعرف بـ«إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية»، وهي عملية «عبث بالخرائط»، تجعل المقاعد في غالبية الدوائر محسومة، مُسبقاً، لصالح أحد الحزبَين. فعلى سبيل المثال، في ولايات من مثل تكساس وكارولينا الشمالية، قد يرى الناخب، على الخريطة الانتخابية، دائرة عريضة مرسومة من الأسفل، تَخرج منها «أصابع» طويلة ونحيفة، يدخل كلّ منها إلى حيّ سكني معيّن، من مثل أحياء اللاتينيين أو السود، ثمّ يسحبه إلى دائرة ريفية كبرى يهيمن عليها البيض، وذلك بهدف إغراق أصوات سكّان تلك الأحياء وسط أصوات الأغلبية. ولعلّ ممّا أكسب الانتخابات النصفية هذا العام اهتماماً مبكراً، مسارعة إدارة دونالد ترامب، في سابقة استثنائية، إلى فرض «إعادة الترسيم» المُشار إليها في منتصف الولاية الرئاسية وبوتيرة كبيرة، قبل أن يردّ عليه الديمقراطيون بالمثل. وبدأت هذه «المعركة» بعدما تقدّم ترامب بطلب مباشر من الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون لإعادة رسم خرائطها «في منتصف العقد»، بهدف ضمان الحفاظ على أغلبية مجلس النواب. وشكّلت ولاية تكساس الشرارة الرئيسية لتلك العملية، بعدما أقر المشرّعون خرائط جديدة تهدف إلى انتزاع 5 مقاعد إضافية من الديمقراطيين، عبر تقليص نفوذ الناخبين اللاتينيين والسود في مناطق الضواحي والمدن. وفي كارولينا الشمالية، رُسمت خريطة تهدف إلى انتزاع 3 مقاعد ديمقراطية، فيما لجأ الجمهوريون في ميزوري إلى «تفتيت» دائرة النائب الديمقراطي إيمانويل كليفر، من خلال ضمّ أجزاء منها إلى مناطق ريفية جمهورية لضمان خسارته… وهكذا.

في الانتخابات «الديمقراطية» الأميركية، يختار المرشحون ناخبيهم، لا العكس

وردّاً على ذلك، وعلى الرغم من أن الديمقراطيين كانوا يطالبون، سابقاً، بـ«لجان مستقلّة» تتولّى مهمة الترسيم، إلا أنهم قرّروا، هذه المرّة، الردّ بالمثل؛ إذ قاد حاكم كاليفورنيا، جافين نيوسوم، حملة لصالح «المقترح 50» (Proposition 50)، الذي وافق عليه الناخبون في تشرين الثاني 2025، والذي يسمح للديمقراطيين بإعادة رسم الخرائط ليخلقوا 5 مقاعد ديمقراطية مضمونة، ويحيّدوا بالتالي مكاسب ترامب في تكساس. أيضاً، تحرّك المشرّعون الديمقراطيون في فرجينيا لاستهداف 4 مقاعد جمهورية حالية عبر إعادة رسم حدودها، فيما تدور معارك قضاية في نيويورك، لمحاولة إعادة رسم دائرة «ستاتن آيلاند» لانتزاعها من الجمهورية نيكول ماليوتكيس. وإلى جانب ما تقدّم، رفع الديمقراطيون دعاوى «تمييز عنصري» ضدّ خرائط تكساس وكارولينا الشمالية، فيما نجحوا في يوتا في انتزاع حكم قضائي يفرض خريطة قد تمنحهم مقعداً جديداً.

بناءً على ذلك، يصنّف «تقرير كوك السياسي»، وهو نشرة إخبارية غير حزبية تحلّل الانتخابات، 18 فقط من أصل 435 سباقاً لمجلس النواب، وأربعة من أصل 35 مقعداً في مجلس الشيوخ، هذا العام، على أنها متقاربة فعلياً «وغير محسومة» في الانتخابات النصفية، ما يعني أن الأخيرة ستخاض على «الهوامش»، مشيراً إلى أنه بالنظر إلى عدد الولايات التي يَضمنها كلّ من الحزبين، فإن الغالبية العظمى من سباقات الكونغرس سوف تنتهي فعلياً عندما يُتوَّج الفائزون في الانتخابات التمهيدية.

تراجع حتمي… وبوادر انقلاب

من منظور تاريخي، يبدو تراجع حزب ساكن البيت الأبيض، في انتخابات منتصف الولاية، «حتمياً»، بغضّ النظر عن هويته وانتمائه الحزبي. ذلك أن الرئيس، منذ الحرب العالمية الثانية، يخسر عدداً من المقاعد في كلّ انتخابات نصفية. وبالنظر إلى الفارق الضئيل في مجلس النواب – حيث يتقدّم الجمهوريون على الديمقراطيين بأربعة مقاعد فقط، بينما ثلاثة مقاعد لا تزال شاغرة –، جنباً إلى جنب وجود شبه إجماع في استطلاعات الرأي التي انتشرت أخيراً على تراجع واضح في شعبية ترامب، يصبح استعجال الإدارة إعادة تشكيل الدوائر مفهوماً إلى حدّ كبير. وعلى الرغم من ما تقدّم، فإن استعادة الديمقراطيين لمجلس الشيوخ تمثّل مهمة أصعب؛ إذ يتعيّن عليهم الحصول على أربعة مقاعد، بينما تُظهِر خرائط هذا العام أنهم في موقع الدفاع عن المقاعد التي يشغلونها بالفعل. وعلى أيّ حال، يدرك ترامب، حالياً، أنه أمام عاصفة قادمة لا محالة، فيما جلّ ما يمكنه فعله، عملياً، هو تحصين نفسه للتخفيف من وطأتها.

في السنوات الماضية، قلبت «الترامبية» الموازين التقليدية للإقبال الانتخابي رأساً على عقب؛ إذ بعدما كان الحزب الجمهوري، تاريخياً، يُعرف بحزب «النخبة البيضاء والشركات»، فيما «الديمقراطي»، هو حزب «الأقليات والطبقة العاملة»، فقد نجح الأول، في عصر ترامب، في تصوير نفسه، كحزب «الطبقة العاملة المتعدّدة الأعراق» ضدّ «نخبة المثقّفين والبيروقراطيين». على سبيل المثال، وفي «وادي ريو غراندي» في تكساس، المعروف بكونه معقلاً للاتينيين، والذي ظلّ لمدة تزيد على 100 عام، ديمقراطياً، نجح ترامب، عام 2024، في قلب مقاطعات من مثل «Starr County»، وذلك على خلفية وعود بتحسين الاقتصاد وغيره. بيد أن الإحصاءات التي انتشرت خلال الأسابيع الماضية، تشير بقوة إلى أن هذا «التحالف المتعدّد الأعراق» الذي بناه ترامب قد بدأ يتصدّع.

من بين جملة من الاستطلاعات التي خلصت إلى نتائج مشابهة، يُظهِر استطلاع أجرته «الإيكونوميست» بالتعاون مع «يوغوف»، في الفترة الممتدّة من 6 إلى 9 شباط الجاري، أن 37% من الأميركيين يوافقون «بشدة أو إلى حدّ ما» على أداء ترامب، فيما 56% لا يوافقون عليه، ما يجعل «صافي» نسبة الموافقة «سالب 19%»، وهي الأدنى خلال فترتَي حكمه. وإذ شكّلت الهجرة سابقاً ورقة قوة بالنسبة إليه، فإن 53% من الأميركيين يعارضون حالياً تعامله معها. كذلك، وعقب انتهاج ترامب سياسة التعرفات الجمركية الفوضوية، بدا الأميركيون يتلمّسون العواقب، على ضوء زيادة تكاليف الحاجات اليومية، وارتفاع معدّلات البطالة، فضلاً عن التخفيضات التاريخية في الرعاية الصحية، والمساعدات الغذائية، والطاقة النظيفة. وبحسب تقرير نشره «مركز التقدّم الأميركي»، فإن العام الأول من حكم ترامب ترك معظم الأميركيين متشائمين بشأن العام المقبل، حيث يتوقّع ما يقرب من 70% منهم أن يكون عام 2026 «عام الصعوبات الاقتصادية».
وإذ تشكّل مثل هذه القضايا أولوية بالنسبة إلى الأميركيين، فإن صنّاع السياسة يدركون جيداً أنه بات متعذّراً الفصل بين السياسات الداخلية وتلك الخارجية، ولا سيما أن الأخيرة لم تعُد منفصلة عن الاقتصاد. وفي هذا الإطار، يرجّح البعض أن تكتسب السياسات الخارجية تأثيراً أكبر على قرار الناخب الأميركي، الذي بات يربط بين «أرمادا» ترامب، وفاتورة البقالة المرتفعة. وفي حين يعوّل الأخير على إحياء صورة «أميركا القوية» القادرة على تحقيق أهدافها بلا خوض مغامرات إضافية، يحذّر البعض من أن «الابتزاز الجيوسياسي» قد يرتدّ عليه، ولا سيما في الشرق الأوسط، ما قد يحوّل استعراض القوة من أداة دعاية انتخابية إلى «كابوس سياسي» أشبه بحرب العراق.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى