رأي

مرسوم رئاسي سوري وإسقاط ذرائع… هندسة المواطنة والدولة

كتب ماهر علوش, في العربي الجديد:

في المنعطفات التاريخية التي تعيد تشكيل الدول، لا تُقاس كفاءة القيادة السياسية بقدرتها على إدارة الصراعات المحلّية، إنما بقدرتها على تدوير الزوايا الحادّة، وتخميد الصراعات القائمة، واجتراح الحلول البنيوية التي تُحوِّل الأزمات الوجودية إلى فرص تأسيسية لإعادة بناء الدولة. لم يعد مفهوم رجل الدولة مرتبطاً بقدرته على إشعال الحرب، بل بقدرته على منع حدوثها، أو تحديد نطاقها، والحدّ من تأثيرها إذا ما فرضتها الظروف. هنا يظهر الفارق الحقيقي بين رجال الدولة الذين يفكّرون بمنطق البناء والاحتواء، وأمراء الحرب الذين يفكّرون بمنطق السيطرة والنفوذ، ويعيدون إنتاج المظلومية أداةَ تعبئةٍ في مشاريعهم الخاصة وصراعاتهم المفتوحة.
من هذا المنطلق، ينبغي قراءة المرسوم الرئاسي رقم 13 بشأن المواطنين السوريين الكرد، الصادر عن الرئيس السوري أحمد الشرع، لا بوصفه استجابةً ظرفيةً، ولا مكرمةً سياسيةً، ولا بوصفه مناورة تكتيكية لامتصاص احتقان داخلي، بل باعتباره جزءاً من رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على أساس منح السلام فرصةً حقيقيةً لإنهاء الحرب. فنحن لسنا أمام إجراء عابر، بل أمام هندسة دقيقة تعيد تشكيل المجتمع السوري والدولة السورية الجديدة على أساس المواطنة المتساوية.
الدولة السورية، بعد مخاض عسير وصبر استراتيجي طويل، أدركت أن استمرار النزيف في شمال شرقي سورية لم يعد مقبولاً بمنطق الأمن القومي. ومن هنا جاء هذا المرسوم ليؤكّد ثابتاً استراتيجياً في عقيدة الدولة السورية الجديدة: السلم الأهلي ووحدة التراب السوري هما الركنان الأساسيان في تشكيلها، والحرب استثناءٌ تفرضه الضرورة، والضرورة تُقدَّر بقدرها. إننا أمام لحظة انتقال حقيقي من منطق الثورة إلى منطق الدولة، ومن إدارة الفوضى إلى هندسة الاستقرار.
الحرب ليست خياراً، بل هي جراحة تفرضها الضرورة. ومن الأهمية بمكان، عند تحليل السلوك السياسي والعسكري للدولة السورية الجديدة، التمييز الدقيق بين منطق الحرب ومنطق الدولة؛ فما شهدته/ أو تشهده الجغرافيا السورية من تحرّكات عسكرية أخيراً، وما قد تفرضه الضرورة القصوى مستقبلاً، ليس سوى جراحات أمنية عقلانية محدودة، هدفها معالجة سلسلة من الانتهاكات الجسيمة الصادرة من عصابات مسلّحة تدّعي أنها تحمل فكراً سياسياً أو نضالياً، بينما تمارس على الأرض أبشع أنواع الظلم والاضطهاد بحقّ من تدّعي الدفاع عنهم، قبل أن تمتدّ آثارها إلى غيرهم.

تمنح الدولة لمواطنيها الحقوق، ولا تحتاج سماسرة لتمريرها، ولا تطلب منهم مقابل ذلك إلّا أن يكونوا مواطنين

لا تستهدف هذه الجراحات شعباً، ولا هُويّة، ولا أيَّ مكوّن اجتماعي، بل تستهدف كيانات وظيفية خارجة عن إطار الدولة، وتضع حدّاً لحالات الانفلات المسلّح التي تهدّد وحدة الدولة السورية وأمن مواطنيها. وهي في فلسفتها إجراء استثنائي تفرضه الضرورة، لا سياسة دائمة، ولا مساراً تأسيسياً بذاته.
كان الرهان الحقيقي للدولة وسيبقى على السلم الأهلي، وعلى إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، لا على إخضاعهم بالقوة أو فرض سياسة الأمر الواقع عليهم بالسلاح. العصابات التي تدّعي احتكار النضال القومي، بينما تمارس فعلياً أدواراً وظيفيةً لخدمة أجندات خارجية لا صلة لها بمصالح الكرد، هي الهدف الحصري لهذه الجراحات. ومن ثمّ، المعادلة الاستراتيجية للدولة السورية واضحة: السلام هو الخيار الأول، والأعمال العسكرية المحدودة إجراءات استثنائية تهدف إلى إنهاء مسارات مدمّرة لا يمكن السكوت عنها، وغايتها فرض سيادة القانون لا فرض القهر. فلا تفاوض مع السلاح، ولا تمثيل بلا تفويض. وثمة إشكالية كبرى حاولت بعض الأطراف الدولية والمحلّية تكريسها أمراً واقعاً، وهي ضرورة التفاوض مع سلطات الأمر الواقع (المليشيات المسلّحة) شرطاً لإنجاز أيّ حل سياسي في الملف الكردي. وهنا يأتي المرسوم الرئاسي ليحسم الجدل على نحوٍ قاطع، مُرسِّخاً مبدأً سيادياً لا يقبل المساومة أو التأويل: الدولة لا تفاوض بندقية خارجة عن القانون تحت عنوان سياسي، ولا تمنح صكّ التمثيل السياسي لمن يفرض نفسه بقوة السلاح بلا تفويض شعبي أو مستند ديمقراطي حقيقي.
لا تعترف الدولة بكيانات مسلّحة، ولا بكتل سياسية لا يوجد ما يثبت أنها تمثّل الشعب الكردي أصلاً، وتمثيل الكرد سياسياً لا يختلف عن تمثيل غيرهم من العرب والتركمان والسريان وسائر السوريين: ينتخبهم الشعب، لا تعيّنهم البنادق، ولا تفرضهم الجغرافيا المسلّحة. إنّ أي محاولة لربط حقوق الشعب الكردي بموافقة هذا التنظيم أو ذاك هي، في حقيقتها، مصادرة لإرادة الكرد أنفسهم قبل أن تكون تحدّياً للدولة السورية الجديدة.
تكشف القراءة المتأنّية لمضامين المرسوم فصلاً منهجيّاً تامّاً بين الشعب الكردي، وهو مكوّن تاريخي أصيل، وشريك مؤسّس في الهُويّة السورية، وجزء من النسيج الاجتماعي السوري، والتنظيمات المسلّحة، وهي حالة طارئة دخيلة تعمل أداةً وظيفيّةً تحت إشراف قوىً خارجية.
قرار الدولة مخاطبة المواطنين الكرد مباشرةً عبر هذا المرسوم، وتجاوز الهياكل الوسيطة العسكرية والسياسية كافّة، عقلاني وأخلاقي رفيع المستوى، فالدولة لو قبلت بالتفاوض مع تلك المليشيات على حقوق الكرد، لكانت قد ارتكبت خطيئتَين استراتيجيتَين: شرعنة السلاح المنفلت بمكافأة المتمرّدين، ما يغري مكوّنات أخرى بانتهاج السلوك نفسه لانتزاع المكاسب نفسها، وخيانة الشعب الكردي، عبر اختزاله في تنظيم عسكري شمولي وتسليمه رهينةً لأمراء الحرب الذين لا يملكون تفويضاً انتخابياً ولا شرعية شعبية.
الرسالة هنا بالغة الدقّة والوضوح: الدولة تمنح الحقوق لمواطنيها لأنهم مواطنون، ولا تحتاج سماسرة لتمرير هذه الحقوق، وهي لا تطلب مقابل ذلك منهم إلّا أن يكونوا مواطنين. إنها تؤسّس لعلاقة مباشرة بين الدولة وأبنائها، بعيداً عن محاولات فرض الوصاية السياسية والعسكرية على أيّ من المكوّنات السورية. ما نقوم به ليس قطيعةً مع السياسة، كما قد يتوهّم بعضهم، بل هو تصحيح لمسارها وإعادة ضبط لأدواتها.
ومن الضروري تفكيك سردية المظلومية واستثمارها السياسي. إذ اعتمدت المشاريع الانفصالية العابرة للحدود عقوداً على رأسمال رمزي قوامه المظلومية التاريخية التي تعرّض لها الكرد، وتحديداً في ملفَّي “الهوية الثقافية” و”إحصاء عام 1962″. وبالنظر إلى لغة الأرقام والحقائق، فقد خلّف ذلك الإحصاء واقعاً مأساوياً طاول عشرات الآلاف (ما بين أجانب ومكتومي القيد)، فجرى تعليق وجودهم القانوني والمدني وحرمانهم من أبسط حقوق المواطنة.
اليوم، وفي لحظة تاريخية، ومن خلال رسالة رئاسية واثقة ومدروسة، جرى تجفيف المنابع الأيديولوجية للتطرّف والانفصال، وسحب البساط بالكامل من تحت أقدام المتاجرين بالقضية الكردية. فكانت المواد (1،2،3) تمثّل الاعتراف الصريح والدستوري بالهُويّة الثقافية واللغوية للكرد بوصفهم جزءاً أصيلاً من المجتمع السوري والهُويّة الوطنية الجامعة، وليس ملحقاً هامشياً في الدولة السورية. ثم أتت المادة 4 بالإلغاء الشامل والنهائي للآثار القانونية المترتبة من إحصاء الحسكة 1962، ومنح الجنسية السورية فوراً لكل من طاوله هذا الظلم. يعيد هذا الإجراء الاعتبار القانوني والإنساني لعشرات الآلاف، ويحوّلهم من مجرّد سكّان إلى مواطنين يتمتّعون بكامل الحقوق.
واعتبرت المادة 5 عيد النوروز مناسبةً وطنيةً رسميةً، في دلالة رمزية بالغة على القبول بالآخر وجودياً وثقافياً. وبذلك لا يصحّح هذا المرسوم خطأً تاريخياً فحسب، بل ينسف الأساس الأخلاقي الذي تقتات عليه المليشيات المسلّحة؛ فعندما تزول المظلومية ينتفي مبرّر وجود المتاجرين بها. إنه نقلة نوعية من حالة الاغتراب الوجودي إلى حالة الشراكة التامة في الدولة والهُويّة والمصير.
ولعلّ النقطة الأكثر دقّةً وحساسيةً في هذا السياق (قد تُثار شبهةً أو تساؤلاً من بعض المراقبين أو المشكّكين): لماذا اقتصر المرسوم الرئاسي على الحقوق المدنية والثقافية، ولم يتطرّق إلى الحقوق السياسية (شكل الحكم، الفيدرالية، الإدارة الذاتية)؟… تكمن الإجابة في صلب الفقه الدستوري ومفهوم الديمقراطية الحقيقية، ويمكن تأصيلها في نقطتَين جوهريَّتَين: الأولى؛ الحقوق التنفيذية الفورية، وتشمل الحقوق الطبيعية والمدنية والإنسانية التي وردت في المرسوم، وكانت معطّلةً بقرارات إدارية وسياسية جائرة من النظام السابق. هذه الحقوق واضحة، ولا يمكن الاختلاف عليها، وتقع في صلب صلاحيات رئيس الجمهورية وواجباته الأخلاقية والدستورية، وكان لا بدّ من إعادتها إلى أصحابها بعيداً عن أيّ تفاوض أو مقايضة. الثانية؛ الحقوق السياسية التأسيسية، وهي المرتبطة بتحديد شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع السلطات (اللامركزية الإدارية أو السياسية، الفيدرالية… إلخ). فهي قضايا ضمن صلاحيات السلطة التشريعية، ولا يحقّ لرئيس الجمهورية (مهما كانت صلاحياته واسعة) البتّ فيها بمرسوم منفرد، لأنّ ذلك سيكون تكريساً للديكتاتورية ومصادرةً لإرادة الشعب.
باختصار: الحقوق السياسية مكانها الدستور، وأداة تحصيلها البرلمان المنتخب. وهنا الدولة تقول للكرد ولغيرهم بوضوح تام: نحن لا نملك تفويضاً لرسم شكل الدولة النهائي نيابة عنكم، لكنّنا نجتهد في توفير الآليات الديمقراطية لتحقيق ذلك، كلجنة صياغة الدستور والبرلمان، لتكونوا شركاء فاعلين في صياغة العقد الاجتماعي الجديد.

الكرة في ملعب العقلاء والنُّخب الوطنية من الكرد ليلتقطوا هذه اللحظة التاريخية الفارقة

ليس ما جرى تأجيله أو عدم ذكره في المرسوم قهراً أو كسراً لإرادة أحد، بل هو احترام لإرادة المجموع. وليس من شأنه منع أي حقّ متأوَّل لدى أصحابه، بل هو انتظار لتأكيد صحة هذا التأويل من السلطة التشريعية، وإحالة للملفّات المصيرية إلى المؤسّسات الشرعية التي سيشارك الجميع في بنائها وتشكيلها؛ فالحقوق السياسية تُنتزع تحت قبة البرلمان من خلال الحوار الوطني الهادئ، فلا تُمنح كهبات، ولا تُفرض بقوة السلاح.
نحن اليوم أمام لحظة انكشاف تاريخي للحقيقة، ولم يعد بإمكان أحد تحريفها أو تزويرها. الرسالة وصلت بوضوح إلى كل بيت في القامشلي والحسكة وعفرين… إلخ. الدولة السورية الجديدة قدّمت أطروحتها على نحوٍ متكامل: دولة مواطنة، عدالة، اعتراف، والسيادة أولاً وآخراً؛ لأنها تصنع الأمن للجميع من دون استثناء.
بات الخيار واضحاً أمام أهلنا الكرد وأمام النُّخب السياسية والثقافية: إمّا الدولة السورية: وهذا يعني الانخراط في الدولة ومؤسّساتها، مع الاعتراف بكامل الحقوق. والدولة تمنحك القوة والشرعية والحقّ في صياغة دستور بلادك عبر ممثليك المنتخبين ديمقراطياً، وتصون ثقافتك ولغتك جزءاً من التراث والثراء الوطني. وإما الكيانات الوظيفية: وهذا يعني بقاء الارتهان لتنظيمات مسلّحة تستخدمك وقوداً لمعارك عبثية، وتجعلك ورقة تفاوض في البازارات الإقليمية والدولية، وتبقيك في صراع دائم مع محيطك الجغرافي والتاريخي.
لقد أدّى الرئيس السوري ما عليه من واجب وطني وأخلاقي وتاريخي، ودفن بجرأته السياسية عقوداً من الأخطاء المتراكمة. والكرة الآن في ملعب العقلاء والنُّخب الوطنية من أهلنا الكرد ليلتقطوا هذه اللحظة التاريخية الفارقة، وينحازوا إلى منطق الدولة والسلم الأهلي، عازلين بذلك كل صوت يوقد نار الفتنة، وكل بندقية تتاجر بدماء السوريين.
ختاماً… ليس هذا المرسوم مجرّد وثيقة قانونية، بل هو خطوة تأسيسية وخريطة طريق استراتيجية لبناء سورية الجديدة؛ سورية التي تتّسع لجميع أبنائها، وترفض أيَّ سلاح خارج عن سلطتها وإرادتها. هذا المرسوم ليس نهاية الطريق، بل بدايته الصحيحة. هو تحوّل مدروس وانتقال واعٍ: من زمن المتاجرة بالمظلومية إلى زمن المواطنة، ومن منطق العصابات إلى منطق الدولة، ومن خطاب الحرب الدائمة إلى أفق السلام الدائم.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى