متى عُرف السبب…

كتب عدي جوني في صحيفة العربي الجديد.
تعليقاً على سياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الجامحة (ابتداءً بخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتمسّكه بضمّ غرينلاند، وتهديد إيران بعمل عسكري)، تقاسمت البيانات الرسمية والمقالات والتحليلات ما يمكن تلخيصه بعبارة الصدمة والدهشة من هذه السلوكيات العدوانية. وكان يكفي تلك البيانات والمقالات أن تعود إلى وفرةٍ من الشواهد التاريخية لتدرك أن مواقف ترامب لا تشذّ عن المألوف، بل تعكس طبيعة التركيبة الجذرية للعقلية السياسية التي نشأت عليها الولايات المتحدة، ومارستها ولا تزال، وستبقى، عملاً بالمثل العربي “الطبع غلب التطبّع”.
ليس خافياً على أحد أن البيوريتانيين (الأطهار) الذين ساهموا في الحرب الأهلية البريطانية (1642 – 1651) هم من أسّسوا الولايات المتحدة بعد هجرتهم إلى العالم الجديد، وكانوا النواة الأولى للثقافة الأميركية في شتى مناحي الحياة العامة، مستلهمين أقوال المذهب الكالفيني البروتستانتي وأفكاره. وتعجّ كتب التاريخ بما فعله المستوطنون الأوائل بحقّ السكّان الأصليين الذين كان المستوطنون يرونهم “كفّاراً وثنيّين”. أي أن الولايات المتحدة نشأت (وترعرعت) على فكر ديني متشدّد يشيطن الآخر، ويعدُّ نفسَه شعباً اختاره الله لأداء “المهمة المقدّسة”. وعلى الرغم من التطوّر الاجتماعي الذي بلغته الولايات المتحدة، والنفوذ العالمي الذي تتمتّع به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لا يزال هذا الفكر المحرّك الأساس للنُخب السياسية الحاكمة من الحزبَين الرئيسيَّين، خلافاً لما ترفعه من شعارات الحرية والديمقراطية.
نشأت الولايات المتحدة على فكر ديني متشدّد يشيطن الآخر، ولا يزال هذا الفكر المحرّك الأساس للنُخب السياسية
في كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” (روتلِدج، 2001)، يربط عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بين البروتستانتية (على الأخصّ المذهب الكالفيني)، ونشأة الرأسمالية عبر تبنّي أخلاقيات العمل القائمة على التفاني والكفاءة وربطها بالواجب الديني المقدّس، ليتحوّل مفهوم العمل من وسيلة لكسب العيش إلى التزام بالقداسة والتقوى تطبيقاً لـ”أوامر الله”. وهذا ما ساهم (حسب فيبر) في بروز النمو الاقتصادي الرأسمالي القائم على الملكية الفردية. ومع بحبوحة العيش التي تنعّم فيها المستوطنون الأوائل عبر الاستيلاء على أراضي السكّان الأصليين، وتطوّر التبادل التجاري، ومن ثم المكننة الصناعية، تجاوزت البروتستانتية “المفهوم التقي المقدّس للعمل” لتتبع شعاراً براغماتياً يقوم على تقديس المُدنَّس وتدنيس المُقدَّس؛ ليصبح المال إلهاً معبوداً، والتوسّع العدواني الأداة الرئيسة لتحقيق هذا الهدف في إطار “الطائفة الصالحة”. وهي العبارة التي طالما يردّدها الرئيس ترامب، وردّدها من قبله رؤساء كثيرون مثل رونالد ريغان وجورج بوش (الابن) وبيل كلينتون.
يعزو معظم المؤرخّين الأميركيين نشأة فكرة توسّع الإمبراطورية الأميركية إلى ما قبل القرن التاسع عشر، منهم (على سبيل المثال) ريتشارد فان ألشتاين الذي يذكر في كتابه “الإمبراطورية الأميركية الصاعدة” (نيويورك، نورتون، 1974، ج 6، ص 78) أن مفهوم إمبراطورية تستولي على قارة بأكملها تشكّل قبيل منتصف القرن الثامن عشر، موضّحاً “أن حرب الاستقلال خيضت تحت تأثير الفكرة الإمبريالية”. ومن هنا كانت الحروب الأميركية الرامية للاستيلاء على المستعمرات الإسبانية، وتحديداً في كوبا عام 1898 (كما يقول ألشتاين) مجرّد بداية لإمبراطورية من القواعد العسكرية. ويستشهد مؤلّف الكتاب بما قاله السيناتور الجمهوري ألبِرت بيفريدج (1862 – 1927) عن الدافع الأساس للتدخّل العسكري: “تنتج المصانع والمزارع الأميركية ما يفيض عن استهلاك الشعب الأميركي. لقد رسم القدر لنا سياستنا، يجب أن نسيطر، وحتماً سنفعل، على التجارة العالمية… وستكون الفيليبين، منطقياً، أول أهدافنا”، مع التركيز في كلمة “قدر” الواردة في كلامه.
وبخصوص الاستيلاء على الفيليبين (1899 – 1902) في إطار الحرب الأميركية على إسبانيا، فيورد الباحث والأكاديمي الأميركي ديفيد راي غريفين في كتابه “المسار الأميركي… ملاك أم شيطان؟ (أتلانتا، كلاريتي برس، 2018، ص 50) قول الرئيس الأميركي حينذاك ويليام ماكينلي إن فكرة الاستيلاء على الفليبين راودته “بينما كان يصلّي داعياً العليّ القدير أن يمنحه الهداية والنور”. أي أن الإيمان بـ”الهدي الربّاني” لم يكن يتعارض مع فعل الغزو العسكري. وفي هذا السياق، يستشهد المؤرّخ هاورد زِن بما قاله السيناتور الديمقراطي هيرشِل فِسبيزييِن جونسون (1812 – 1880) مدافعاً عن الحرب الأميركية على المكسيك (1846-1848): “أعتقد أنه سيكون خذلاناً لمهمّتنا النبيلة إن أبيْنا الخضوع لمقاصد الحكمة الإلهية. للحرب شرورها… لكنّها، ومهما بدت مبهمة بالنسبة إلينا، تبقى الوسيلة التي خلقها التدبير الإلهي الحكيم لتحقيق الغاية السامية لارتقاء الإنسان”. أي إن الأميركيين كانوا أداة لتحقيق الغايات الإلهية، بغض النظر عن وحشية الأساليب المتبعة.
تضمّ إدارة الرئيس ترامب حالياً نافذين ينتسبون إلى حركة “الإصلاح الرسولي الجديد” ذات الارتباط الوثيق باليمين المتطرّف
ألا تذكّرنا هذه الشواهد التاريخية بتصريحات الرئيس بوش (الابن) بأن الله أمره بغزو العراق، وخطابات ترامب في حملته الانتخابية الثانية التي اتّسمت بطابع ديني، تمثّل (حسب قوله) بـ”حملة صليبية صالحة ضد الملحدين والعولميين والماركسيين”، معلناً نيّته “استعادة أميركا أمة واحدة تحت سقف الله” في تعبير صريح عمّا يُعرف باسم “القومية المسيحية” (Christian Nationalism)، التي تشدّد على أن الولايات المتحدة قامت بفضل المسيحيين ومن أجلهم. ويدعو أنصارها إلى نشر أفكارهم التي تتبنّى فكرة تفوّق العرق الأبيض للهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. بالطبع لا داعي للقول إن هذه الفكرة تستند إلى تعاليم المذهب الكالفيني. وتضمّ إدارة الرئيس ترامب حالياً عدداً لا بأس به من النافذين الذين ينتسبون إلى حركة “الإصلاح الرسولي الجديد” ذات الارتباط الوثيق باليمين المتطرّف الداعم لسياسات ترامب الداخلية والخارجية، بما في ذلك الترويج لما يسمّونه “الحرب الروحية” (Spiritual Warfare). ويكفي أن نذكر ستيفن ميلر واحداً من هؤلاء النافذين، والذي يعمل حالياً نائب مدير إدارة موظفيّ البيت الأبيض، وكان المشرف على كتابة خطابات ترامب من عام 2017 إلى 2021.
أبعد هذه الشواهد التاريخية كلّها، هل يُفترض بنا أن نصاب بالدهشة من سياسات ترامب؟ الذي لم يخرج (ولن يخرج) من جلباب أسلافه، اللهم إلا في جانب واحد، وهو صراحته في التعبير عن نيّاته الحقيقية.
صدق القول العربي المأثور: “متى عُرف السبب بطل العجب”.




