
حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

يدخل لبنان المسار التفاوضي مع إسرائيل، وهو مثقل بأعباء داخلية عميقة، تكاد تفقده القدرة على المناورة السياسية أو فرض شروط متوازنة. في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يبدو أن الوفد اللبناني يذهب إلى طاولة التفاوض بأجنحة متكسّرة، حيث تتراجع عناصر القوة التقليدية، وتتآكل أوراق الضغط، في مقابل خصم يمتلك تفوقاً عسكرياً وسياسياً واضحاً، ويستند إلى دعم دولي وازن.
إن أول مظاهر الضعف تتجلى في الانقسام الداخلي الحاد، الذي يحول دون بلورة موقف وطني موحد. فالتباينات السياسية لا تزال تحكم المشهد اللبناني، من مقاربة العلاقة مع إسرائيل إلى حدود التنازلات الممكنة. وهذا الانقسام لا يضعف فقط الموقف التفاوضي، بل يبعث برسائل سلبية إلى الخارج، مفادها أن لبنان غير قادر على اتخاذ قرار سيادي جامع، ما يفتح الباب أمام فرض شروط عليه بدل التفاوض الندي معه.
إلى جانب ذلك، يعاني لبنان من انهيار اقتصادي غير مسبوق، أفقد الدولة قدرتها على الصمود وأضعف مؤسساتها، فالاقتصاد المنهك لا يشكّل فقط عبئاً داخلياً، بل يتحول إلى عنصر ضغط خارجي، حيث تصبح الحاجة إلى المساعدات الدولية مدخلاً لفرض إملاءات سياسية. وفي هذا السياق، يتحول التفاوض من كونه أداة لحماية المصالح الوطنية إلى وسيلة لتفادي مزيد من الانهيار، ما يحدّ من هامش المناورة ويجعل أي تنازل يبدو وكأنه ثمن للبقاء.
أما على المستوى العسكري، فإن ميزان القوى يميل بشكل واضح لصالح إسرائيل، التي تمتلك تفوقاً تكنولوجياً واستخباراتياً كبيراً. ورغم أن لبنان يستند جزئياً إلى معادلة الردع التي فرضتها المقاومة، إلا أن هذه المعادلة نفسها باتت موضع تجاذب داخلي وخارجي، ما يضعف فعاليتها كعنصر تفاوضي. فحين تكون ورقة القوة محل خلاف، تفقد جزءاً كبيراً من تأثيرها.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن إسرائيل تدخل أي تفاوض من موقع المبادر، مستفيدة من الظروف الإقليمية والدولية، ومن التحولات الجارية في المنطقة. فهي تسعى إلى تحقيق مكاسب استراتيجية، سواء على مستوى الحدود أو الترتيبات الأمنية، مستندة إلى واقع لبناني هش، وإلى رغبة دولية في احتواء التوتر بأي ثمن.
ومع ذلك، فإن القول إن لبنان لا يملك أي أوراق تفاوضية قد يكون تبسيطاً مفرطاً، فالجغرافيا السياسية، وتعقيدات الواقع الميداني، وحساسية أي تصعيد على الحدود، كلها عوامل يمكن أن تشكّل عناصر قوة نسبية إذا ما أُحسن توظيفها. لكن المشكلة تكمن في غياب استراتيجية واضحة لاستثمار هذه الأوراق، وفي عجز الدولة عن تحويل نقاط القوة الكامنة إلى أدوات ضغط فعلية.
من هنا، يبدو أن لبنان يقف أمام مفاوضات صعبة، تفرض عليه إعادة ترتيب أولوياته الداخلية قبل أي شيء آخر. فالتماسك السياسي، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وتحصين الجبهة الداخلية، هي الشروط الأساسية لأي تفاوض متوازن. ومن دون ذلك، سيبقى لبنان يدخل كل استحقاق بأجنحة متكسّرة، ويخرج منه بخسائر أكبر، في معادلة لا ترحم الضعفاء ولا تمنحهم فرصة ثانية.




